سـيمون بوليفـار
ينـازل العـم سـام
وسام متى
«في
السياسة والاقتصاد، وفي القضايا الاجتماعية، فإنّ هذا الخيار،
الـ«ألبا»، يهدف إلى
تأمين الاستقرار، بما يتناسب مع أقوال المسيح بأنّ الطريق الوحيد
للسلام هو العدالة والإخاء والمساواة، ومن دون العدالة لن يتحقق السلام
في العالم».
بهذه الكلمات
عرّف
الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز خيار «البديل البوليفاري لأميركا
اللاتينية»،
المعروف اختصاراً باسم الـ«ألبا»، والذي يمثل بالنسبة لشعوب القارة
الجنوبية
المشروع «الأكثر إنسانية» للتكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في
مواجهة مشاريع
الهيمنة النيوليبراية التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها على
«حديقتها الخلفية»
بوسائل عديدة
قد يكون أبرزها «اتفاقية التجارة الحرة للأميركتين» المعروفة باسم
الـ«ألكا».
وإذا كان إنشاء
الـ«ألبا»، كإطار ممأسس للتكامل والتكافل الاقتصادي
ـ
الاجتماعي، قد جاء بمبادرة من الرئيسين الكوبي فيدل كاسترو والفنزويلي
تشافيز عام ,2004
فإنّ أسس هذا
الخيار ضاربة في جذور أميركا اللاتينية منذ أوائل القرن التاسع
عشر،
في مرحلة انهيار النظام الاستعماري الأسباني، وبداية تكوّن الاستعمار
الجديد
القادم من الشمال. وقد تنبه «المحرّر» سيمون بوليفار لهذا الخطر منذ
عام 1821 حيث
كتب
أنّ « قوة صاعدة في الولايات الشمالية ستأكل الأخضر واليابس وتنشر
الجوع وسط
شعوبنا باسم الحرية». هذا الخطر الجديد دفع أيضاً بملهم الثورة الكوبية
خوسيه مارتي
إلى
الدعوة لتوحيد أميركا الجنوبية، وذلك في مقاله الشهير «أميركيتنا» الذي
نشره
عام ,1891
ودعا فيه إلى «وحدة أميركا اللاتينية في مواجهة امبريالية اليانكي».
وفي ظل التحولات
السياسية والاقتصادية التي شهدتها أميركا اللاتينية في السنوات
الثلاث الأخيرة، لم يعد خيار الـ«ألبا» محصوراً بمحور هافانا ـ
كاراكاس، فمع وصول
إيفو
موراليس إلى رئاسة بوليفيا عام ,2005 وعودة دانيال اورتيغا إلى رئاسة
نيكاراغوا العام الماضي، فإنّ كرة الثلج البوليفارية بدأت تكبر أكثر
فأكثر، فيما
يرجّح
أن تضع قمة باركويسيميتو في فنزويلا، التي اختتمت أعمالها أمس، الأسس
العملية
لانضمام الإكوادور التي انضمت إلى معسكر اليسار الجذري مع فوز رافاييل
كوريا
برئاستها.
وجاءت اتفاقية
الـ«بتروكاريب» عام ,2005 لتشكل بداية للتطبيق العملي
لـ«ألبا»، بعدما أتاحت لـ13 دولة الحصول على النفط الفنزويلي بالأسعار
المتعارف
عليها
في السوق العالمي، ولكن بتسهيلات كبيرة في الدفع، لجهة إمكانية تسديد
30 إلى 50
في المئة من
قيمة الموارد النفطية بقروض طويلة الأمد (17 إلى 25 عاماً) وبفائدة
ضئيلة
(بمعدل واحد إلى إثنين في المئة). وبموجب هذه الاتفاقية حصلت هافانا
على حصة 98
ألف برميل
نفط فنزويلي في اليوم (من أصل 186 ألف برميل في اليوم نصت عليها
الاتفاقية)، في مقابل تقديم خدمات طبية وتربوية لكاراكاس، مع الإشارة
إلى وجــود
أكثـر
من 20 ألف طبيب كوبي في فنزويلا حالياً.
هذه الاتفاقية
تقدّم مثالاً حياً
لطبيعة التعامل «الإنساني» بين الدول في قضايا التنمية الاقتصادية
والاجتماعية. وفي
هذا
الإطار يعتبر الأمين العام لجمعية الصداقة اللبنانية الكوبية موريس
نهرا أن
البديل البوليفاري «لم ينشأ من منطلق إيديولوجي بقدر ما كان نتاجاً
لحاجات
المجتمعات لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم المفقود بسبب نهب ثرواتها
بعد عقود من
الهيمنة الخارجية المترافقة مع تواطؤ من قبل البرجوازية المحلية»،
لافتاً إلى أنّ «السـيطرة
المـديدة للاحتـكارات الأميــركية أعاقت النمو الاقتصادي ما تسبب في
جمود
حاد طاول
البنيـة الاقتصادية في هذه الدول».
ويشدّد نهرا على
الدور المحوري
الذي
تقوم به فنزويلا في «احتضان» البديل البوليفاري بالنظر إلى قدراتها
الاقتصادية
الكبيرة يضاف إلى ذلك «ثقة تشافيز غير المحدودة بفيدل كاسترو وبالنهج
الذي سارت
عليه
كوبا» منذ انتصار ثورتها، مشيراً إلى أنّ الـ«ألبا» «تجربة ناجحة حتى
الآن،
ومن المرجح
أن تكون راسخة على امتداد القارة».
من جهته، قال
الوزير المستشار في
السفارة الكوبية في بيروت آريسل هرنانديز لـ«السفير»، إنّ البديل
البوليفاري نجح في
تعطيل
مشروع الـ«ألكا»، أو على الأقل شل حركته، مع إدراك دول أميركا الجنوبية
أنّ
المشاريع
النيوليبرالية التي تروّج لها الولايات المتحدة لم تجلب سوى الخراب،
موضحاً في هذا الإطار أن «المكسيك، التي كانت من أكبر الدول المنتجة
للذرة في
العالم، أصبحت بعد انضمامها إلى اتفاقية التجارة الحرة، تستورد هذا
الغذاء الأساسي
لشعبها من الولايات المتحدة».
ويؤكد هرنانديز
أنّ بإمكان دول الجنوب التوصل إلى
مشروع
متكامل للتنمية في ما بينها، حيث أنّ لكل منها ما يمكن أن تقدمه في
إطار
التكامل
الاقتصادي، موضحاً أنّ كوبا على سبيل المثال تمتلك ثروة بشرية كبيرة،
خصوصاً أنّ «الثورة على مدى 48 عاماً كانت تؤهل ذوي الاختصاص من أطباء
ومدرسين
ومهندسين وتقنيين»، وهذا ما تحتاج إليه فنزويلا حالياً، فضلاً عن
الثروات الزراعية
للعديد من الدول في أميركا اللاتينية والكاريبي.
ولا يجد هرنانديز
أي تعارض بين
الـ«ألبا» وسوق الجنوب «المركوسور» التي تضم فنزويلا والأرجنتين
والبرازيل
والباراغواي والأوروغواي، لافتاً إلى أنّ عضوية فنزويلا في «المركوسور»
توفر
لـ«ألبا»
فرصة حقيقية للتكامل مع باقي دول أميركا الجنوبية، على الرغم من أنّ
هناك
فرقاً كبيراً
في الأسس التي تقوم عليها هاتان المؤسستان. ففي حين ترتكز «المركوسور»
على
مبدأ «التبادل التجاري» فإنّ الـ«ألبا» بطبيعتها مفهوم «أكثر نبلاً»
للتعاون
والتكافل خصوصاً أنّه «لا يستند إطلاقاً إلى مبدأ الربح الماضي»، عدا
أنّ بعض دول
سوق
الجنوب، خلافاً لكوبا وفنزويلا، لا تزال مرتبطة بالتزامات اقتصادية مع
واشنطن
تعود
إلى عقود عديدة، ما يعيق احياناً امكانية انضوائها في الـ«ألبا»، لكنه
يشدّد
على أنّ
احتمالات ذلك ليست مستبعدة على المدى الطويل.
ويشير المستشار
الكوبي
إلى
أنّ مشاريع عديدة تطرحها كاراكاس من شأنها أن تقرّب المسافة بين دول
المركوسور
وخيار
الـ«ألبا»، لافتاً إلى أنّ مشروع خط أنابيب النفط بين فنزويلا
والأرجنتين قد
يهدف
إلى تحقيق تلك الغاية.
وتنظر كاراكاس إلى
الـبديل البوليفاري كخيار جدّي
لتحرير القارة من هيمنة واشنطن، ففي تقرير أصدره مكتب وزير الدولة
الفنزويلي لشؤون
التكامل والتجارة الخارجية، حول عمل الـ«ألبا» يتضح أنّ هذا الخيار
يشكل مشروعاً
متكاملاً لتعزيز «التنمية والتوازن والسيادة» بين دول الجنوب، ما
يجعلها قادرة على «تعميق
معرفتها بموقعها (ككتلة إقليمية) وإدراكها للمصالح المشتركة التي
تجمعها» ما
يتيح
لها إمكانية «تـأسيس تحالف استراتيجي» بهدف «بناء قيادة سياسية
واقتصادية
واجتماعية وعسكرية جديدة في القارة، واعادة إطلاق مشروع الوحدة في
أميركا اللاتينية
والكاريبي».
السفير 30-04-2007