-I-
الجمعة
18 أيار
9
ساعات فوق بحر الظلمات
بين
يابستين، قارتين
هبطت
بنا الطائرة، زوجتي نجوى وأنا، في مطار
هافانا في ساعة
متأخرة من بعد ظهر هذا اليوم. وكنا قد قطعنا تسع ساعات من السفر
عبرنا فيها الأطلسي،
أو بحر الظلمات كما سمّاه المؤرخون والرحالة العرب في إحدى حقب
التاريخ، بعد اكتشاف
أميركا في الغالب. وللتسمية، كما أحب أن أفسر ذلك شخصياً من
دون العودة إلى
المراجع التاريخية، أسباب ربما تعود إلى أن هذا البحر كان لقرون
عديدة مجهول القرار،
في غور أعماقه وفي اتساع رقعته وفي مداه اللامحدود. للتسمية ،
إذن، أسبابها
الموضوعية. فالظلمات هي اختصار لثلاث صفات: الظلام والظلامية والظلم.
ومن حق الرحالة
والمؤرخين العرب علينا أن نؤكد لهم، في العصر الحديث، أن بحر
الظلمات هذا لا يزال
يحمل الصفة ذاتها التي أعطوها له. فهو لا يزال يشكل الطريق
الذي يسلكه تجار
الحروب المتنقلة من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، باسم القادة
الكبار للقارة
الجديدة، وضد مصالح شعوبها والشعوب الأخرى، لتأمين الهيمنة على عالم
اليوم، ومحاولة تسويق
وفرض ثقافة هجينة تحمل اسم الرأسمال المعولم الفالت من عقاله.
وتشكل كوبا الجميلة
الصغيرة، الواقعة على بعد تسعين ميلاً من شواطئ ميامي الأميركية
الشمالية، المثال على
هذه الغطرسة الأميركية المتمادية. فهي لا تزال تعاني، منذ ما
يقرب من خمسين عاماً،
حصاراً أميركيا ظالماً نادر المثال في ظلمه وفي تعسفه. وربما
يعود السبب كذلك في
تسمية المحيط الأطلسي بحر الظلمات، في قاموس العرب الأقدمين،
إلى أن هذا البحر
العظيم كان قد تحوّل، لا أدري متى بالضبط، وربما بعد اكتشاف
أميركا، أو في مرحلة
البحث عنها، إلى ميدان صراع بين دول عظمى، تتجاور في شواطئها
الممتدة طويلاً على
ضفاف المحيط الأطلسي، أو بالقرب منه ومنها، صراع حول مطامعها
التوسعية
الاستعمارية، سواء في اتجاه القارة الأميركية بعد اكتشافها، أم في
اتجاه
بحر الباسفيك في
الشرق البعيد. وكان قد تحوّل هذا المحيط الأطلسي العظيم، في الوقت
ذاته، وعلى امتداد
شواطئه، وبعيداً عنها، إلى مركز لنشاطين حافلين بالظلم البشري.
النشاط الأول هو الذي
يتصل بتجارة الرقيق، التي كانت القارة السوداء مصدره الأساس
على امتداد قرون عدة،
وذلك في اتجاه القارة الأميركية شمالها وجنوبها. النشاط
الثاني هو الذي أعطاه
قراصنة البحار، القدامى والجدد، سماته وأشكاله ووسائطه
المعاصرة، في هذا
الزمن العاتية والعاصفة أعاصير التغيرات والتحولات فيه.
كان
علينا، فور وصولنا،
أن نؤخر عقارب ساعاتنا ست ساعات إلى الوراء، آخذين في الإعتبار
أن يومنا سيكون يوماً
طويلاً، طويلاً جداً، بفعل الفارق في التوقيت بين باريس
وهافانا، خصوصاً،
وبين القارة الأوروبية والقارة الأميركية، على وجه العموم.
كان
الطقس جميلاً في
هافانا، بخلاف ما كنا ننتظر، وفق ما هو معروف عن هذا الفصل، الذي
عادة ما ترتفع فيه
الحرارة، وترتفع الرطوبة، وتكثر الأمطار. مفاجأتان جميلتان
واجهتانا لدى خروجنا
من الطائرة. المفاجأة الأولى حصلت ونحن في الطريق إلى قاعة
الضيوف، برفقة
المضيفة. كان يسير إلى جانبنا رجل تشير ملامحه إلى أنه أوروبي، وتشير
لكنته الفرنسية إلى
أنه فرنسي الجنسية. وكان من الطبيعي أن نتبادل الحديث ونتعارف.
فعرّفنا بنفسه. إنه
الفنان والكاتب والمخرج المسرحي والسينمائي سيرج ساندور
(Serge Sandor)، الذي
ما أن عرف أننا لبنانيان حتى تدفق في الحديث عن هذا البلد الجميل
الذي يحبه من بعيد،
ويحلم بزيارته. فدعوناه إلى زيارة بلدنا في السنة المقبلة،
آخذين في الإعتبار
ظروف المرحلة التي يمر فيها لبنان اليوم. لكنه تمنى علينا بشغف
العاشق الولهان أن
نحافظ على بلدنا، وأن نمتنع عن تدميره، مثلما فعلنا ذلك مرات
عديدة. فوعدناه
خيراً. وتبادلنا العناوين والهواتف والبريد الإلكتروني من أجل
التواصل. أما
المفاجأة الثانية فهي أننا وجدنا في استقبالنا في قاعة الضيوف
لبنانيين من رفاق
السبعينات، هما مروان دملج وأكرم شعبان. طالبان سابقان درسا في
كوبا بمنحة من الحزب
الشيوعي اللبناني في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي،
وتخرجا وتزوجا من
امرأتين كوبيتين. وصارا أشبه بمواطنين كوبيين، من دون أن يفقدا
علاقتهما الحميمة
بوطنهما لبنان. ثم صارا في الآونة الأخيرة موظفين في السفارة
اللبنانية. وكان
معهما في القاعة النائب الثاني للمؤسسة الكوبية للصداقة مع الشعوب
التي وجهت إليَّ
الدعوة لزيارة كوبا، وهو أفريقي الأصل من دولة الموزامبيق. درس في
كوبا وتخرج وصار
كوبياً، بعد تحرير بلده من الإستعمار البرتغالي، بمساعدة كوبا،
سياسياً وعسكرياً،
وأكاديمياً. وكم كان الرفيق بونيا اكوستا سعيداً حين أخبرته أن
لي في الموزامبيق
صديقاً كبيراً هو الشاعر مارسلينو دوسنتوس، الذي تعرفت إليه أوائل
ستينات القرن الماضي،
خلال وجودي في مجلس السلم العالمي مسؤولاً في قيادته عن
العلاقة مع حركات
التحرر الوطني في أفريقيا. وكان قد أصبح رئيساً للجمعية الوطنية
بعد التحرير، ثم
وزيراً، ثم نائباً لرئيس مجلس الوزراء، إلى أن تقاعد، وانصرف إلى
كتابة الشعر. وصرنا
على الفور، بونيا اكوستا وأنا، صديقين. ثم أخبرني، ونحن في
طريقنا إلى مكان
إقامتنا، أن صديقي الشاعر سيصل إلى هافانا في اللحظة ذاتها التي
سنغادر فيها العاصمة
الكوبية. ولأنني لن أتمكن من لقاء صديقي القديم، فقد طلبت من
الرفيق اكوستا أن
يبلغ تحياتي إلى صديقي دوسنتوس. ففي تلك المصادفة إنعاش
لذاكرتينا، واستعادة
لتاريخ قديم، تجتمع فيه صعوبات النضال من أجل التحرير ومتعة
الصداقة التي ربطت
بيني وبين عدد ممن كانوا مناضلين من أجل الحرية وصاروا، بعد
التحرير، قياديين
أساسيين في بلدانهم.
في
هافانا بعد ثلاثين عاماً من
الغياب
دار
الضيافة التي حددت لنا مكاناً لإقامتنا هي واحدة من
دور منتشرة في
العاصمة هافانا وفي سائر المدن الكوبية. بعض هذه الدور تابع للمؤسسة
الكوبية للصداقة مع
الشعوب، وبعضها تابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي. تقع الدار
التي أقمنا فيها في
حي هادئ مليء بفيلات شبيهة بدارنا. تظلله الأشجار من كل جهاته.
ولم نعرف، ولم نسأل
لنعرف، هوية سكان هذه الدور التي تتألف من طابق أرضي ومن طابق
علوي. هل هم كوبيون،
من أغنياء البلد، أم هم ضيوف مثلنا، أم هم مواطنون كوبيون
عاديون. إذ أن ثمة
فرقاً واضحاً بين دار وأخرى. فأمام بعض هذه الدور وداخل حدائقها،
تصطف سيارات حديثة،
أميركية وأوروبية. أما الدور الأخرى فهي أنيقة مثل دارنا، لكنها
خالية من أي مظهر من
مظاهر ذلك الغنى الذي نشير إليه لبعض مرافقها.
لم
نشأ أن
نرتاح من وعثاء
السفر. كنا، نجوى وأنا، في حال من الإستيقاظ العجيب، والراحة
النفسية العالية،
والشوق المتوقد إلى رؤية هافانا، للمرة الأولى بالنسبة إليها،
بحكم الصورة التي
تكونت لديها من خلال القراءات والأحاديث، وبعضها يعطي لهافانا
ولكوبا صورة أسطورية،
وللمرة الثانية، بالنسبة إليَّ، بعد ثلاثين عاماً من الغياب.
تركنا الأصدقاء
الكوبيون في عهدة الرفيقين مروان وأكرم. خرجنا للتو، من دون أدنى
لحظة للراحة، للتجول
في شوارع هافانا الجديدة والقديمة. وكانت وجهتنا، تلبية
لرغبتي، كورنيش
هافانا الذي يكاد يشبه كورنيش مدينة الإسكندرية في مصر، لكنه يفوقه
مدى في الطول وفي
الأفق البعيد، في محيط لا حدود له.
هافانا هي ذاتها التي
عرفتها من قبل. إنها
المدينة الجميلة المنفتحة شوارعها وأحياؤها، من دون أسوار ومن
دون أسرار، للراغبين
في معرفة ماضيها وحاضرها. ولكل من هذا الماضي، القريب منه في
التاريخ والبعيد،
وللحاضر الراهن في الزمن أيضاً، شؤونه وشجونه. كانت تلك الجولة
المسائية السريعة في
هافانا مدخلنا الضروري إلى هذه الزيارة الجديدة المفاجئة وغير
المنتظرة إلى كوبا.
وكنت قد اتفقت مع صديقي أنريكي رومان فيرناندز، النائب الأول
لرئيس المؤسسة
الكوبية للصداقة مع الشعوب، الذي وجّه إلي الدعوة لزيارة كوبا، بصفتي
الشخصية، الفكرية
والسياسية والثقافية، كصديق قديم لكوبا، بحسب توصيفه لي، أن تكون
الزيارة مثلثة
الأضلاع: سياسية وثقافية وسياحية. وقد كان برنامج الزيارة بالفعل
حافلاً بالنشاط في
هذه الميادين الثلاثة.
السبت
والأحد 19 و20 أيار
في مدينة
سانتا كلارا
مع أرنستو
تشي غيفارا
وجهتنا في صباح هذا اليوم كانت مدينة
سانتا كلارا، الواقعة
في جنوب البلاد. وكانت الرحلة، كما أبلغتنا مرافقتنا فيدليا،
تستغرق ثلاث ساعات.
كانت وسيلة النقل غريبة بالنسبة إلينا. وهي كانت حافلة ركاب
تتسع لثلاثين راكباً.
في حين أننا كنا ثلاثة، نجوى وأنا وفيدليا. وكان رابعنا سائق
الحافلة. تساءلنا عن
السبب، من دون لهجة احتجاج، فأجابتنا فيدليا، ببساطة وبراءة،
بأن الحافلة تسير على
الفيول الرخيص، أما السيارة فتسير على البنزين المرتفعة
أسعاره، والمقنن
توزيعه. وكنا نعرف قبل أن نأتي إلى كوبا أن البلد يعاني أزمة بنزين
خانقة، بسبب الحصار،
وأن فنزويلا هي التي تزود كوبا بعض حاجتها من المحروقات بقرار
تضامني من رئيسها
شافيز المولع بحب كاسترو، والحريص على تقليده في سياساته، باسم
الإشتراكية،
الفنزويلية الطابع. فلم نكن بحاجة إلى مزيد من الشرح. إذ سرعان ما جاءت
بعض التفاصيل في
الرحلة لتزيدنا اقتناعاً بشرح فيدليا. فقد كانت الطرق على امتداد
الرحلة الطويلة شبه
خالية من السيارات، وحتى من الحافلات والشاحنات. ثم جاء انقطاع
التيار الكهربائي،
وانقطاع المياه في أماكن إقامتنا، ليخرسنا، ويقطع حبل الأسئلة
المحرجة الموجعة.
استقبلنا في بيت الصداقة في سانتا كلارا الرفيق الظريف مايكل،
ليكون دليلنا إلى
متحف تشي غيفارا. ويقع المتحف في ساحة كبيرة، ينتصب في وسطها
تمثال كبير لغيفارا،
وكلمات له منقوشة على جدار ضخم، لم نستطع قراءتها. أما المتحف
فهو مزيج من روايتين،
الأولى تتحدث عن تاريخ الثورة الكوبية وعن دور غيفارا فيها،
والثانية تتحدث عن
تاريخ تشي، منذ نشأته، وصولاً إلى استشهاده، مروراً بالمراحل
التي برزت فيها
شخصيته كقائد ثوري كبير، في كوبا وفي مصر وفي الكونغو وأخيراً في
بوليفيا. وإلى جانب
المتحف قاعة كبيرة، وضع فيها رفات غيفارا، بعد أن نقل من
بوليفيا إلى هذا
المكان المهيب، بقرار من فيدل كاسترو صديق ورفيق عمر تشي. وفي
الواقع فقد كانت
زيارة المتحف بمرافقه كلها، في الداخل وفي الخارج، بالغة التأثير
في نفسينا، نجوى
وأنا. ذلك أن لغيفارا مكانة خاصة في وجدان كلينا، عمّقته مسيرته،
منذ شبابه حتى نهاية
حياته. وهي مسيرة غنية مليئة بالمعاني وبالدلالات. وقد عبّرت
عن هذه المعاني
والدلالات في الكلمة التي كتبتها في السجل، ثم في الحديث الذي أدليت
به أمام مديرة المتحف.
انتقلنا، بعد زيارة المتحف، إلى زيارة بقايا القطار
العسكري الذي دارت
حوله وفي داخله آخر معارك الثوار، بقيادة غيفارا، التي انتهت
باستسلام الجنود،
واضطرار الديكتاتور باتيستا إلى الفرار في زورق حربي إلى خارج
البلاد. وكان ذلك
مطلع كانون الثاني من عام 1959. وهذه الموقعة العسكرية هي التي
حوّلت سانتا كلارا
مدينة تاريخية مرتبطة باسم غيفارا، الرفيق الأول لقائد الثورة
فيدل كاسترو.
كان
علينا، قبل أن نغادر المدينة، أن نمر بالقرب من "مركب غرانما"
الذي قاد كلا من
كاسترو وغيفارا ورفاقهما من المكسيك في عام 1956 للبدء بالثورة
التي انتصرت في أول
كانون الثاني من عام 1959. وكان قد سبق لكاسترو أن أعلن انطلاق
الثورة في أول عملية
لاقتحام الحامية العسكرية المونكادا، في مدينة سانتياغو، في
شرق البلاد، في 26
تموز من عام 1953. ومعروف أن هذه العملية قد فشلت واعتقل أبطالها
ومن بينهم فيدل
كاسترو.
بعد
الغداء تابعنا رحلتنا السياحية في اتجاه مدينة سينتو
فويغو (المئة شعلة)،
التي يطلق عليها الكوبيون صفة "لؤلؤة كوبا". وهي تبعد عن سانتا
كلارا حوالى
الساعتين. وصلنا مساء، وكان في استقبالنا في بيت الصداقة، إلى جانب
مدبرة البيت، أربعة
طلاب لبنانيين. وكان ذلك مفاجأة سارة لنا ولهم. وقد أمضينا مع
الطلاب الأربعة
وصديقاتهم الكوبيات الجميلات ليلة جميلة، صرفنا جزءاً منها في
التنزه في شوارع
المدينة، وعلى كورنيشها الجميل، وصرفنا الجزء الأخير منها في أحد
مطاعم المدينة.
في
صباح اليوم التالي قمنا بجولة في المدينة الجميلة، وزرنا أحد
منتجعاتها السياحية.
وعدنا ظهراً إلى هافانا سالكين طريقاً آخر، لكي نتمكن من
مشاهدة أكبر عدد من
المدن والقرى، وأكبر مساحة من الأراضي الخضراء، والهضاب
والسهول، ومكامن
الجمال في هذه الجزيرة الساحرة التي اسمها كوبا.
لفت
انتباهنا
واستغرابنا، ونحن في
الطريق الطويل عبر المدن والسهول والهضاب، ما بدا لنا أشبه
بالغياب للمزارع
وللمزروعات، بخلاف ما كنا نتوقع. وفي الجواب عن سؤالنا نحو هذا
الأمر، قيل لنا بأسف
أن سكان الريف تقلصوا إلى ما يقرب من 20% من سكان البلد، الأمر
الذي قلّص بدوره
الزراعة، وأضعف موقعها في الإقتصاد، باستثناء مزارع قصب السكر،
الذي يشكل أساس صناعة
السكر الكوبي، ومشاتل التبغ، التي تشكل أساس صناعة السيجار
الكوبي. لم نقتنع بما
قدم لنا من أسباب عما شاهدناه، ممن توجهنا إليهم بالسؤال. وهو
سؤال لم نطرحه على
المسؤولين. وكان ذلك من جملة أخطاء اكتشفنا، بعد انتهاء الزيارة،
أننا ارتكبناها، عن
قصد أحياناً، وعن سهو أحياناً أخرى. ولم يكن لهذه الأخطاء ما
يبرر حصولها.
فانتقدنا ذاتنا على الطريقة التي تعلمناها في حزبنا
الشيوعي.
الاثنين
21 أيار
يوم آخر
للسياحة في هافانا
قبل
بدء البرنامج السياسي
والثقافي
بدأنا
يومنا الجديد بزيارة
مستشفى طب العيون.
وهو مستشفى حديث، يعتبره الكوبيون أحد رموز اعتزازهم الوطني. إذ
هو يعبّر عن تقدم
الطب عندهم.
مدهش
هذا المستشفى بأناقته، وبالتجهيزات الحديثة
المتطورة التي تمتلئ
بها قاعاته، ومراكز البحث وعيادات الأطباء فيها. وقد أخبرنا
أصدقاؤنا الكوبيون
أنهم بعثوا إلى بعض بلدان أميركا اللاتينية بعدد من هذه
المستشفيات مع
طواقمها وتجهيزاتها، ولاسيما إلى فنزويلا وبوليفيا. وكان من علامات
التحديث والرقي
والجمال في المستشفى أن الصبية التي رافقتنا في تعريفنا إلى
منجزاته، كانت من
جميلات نساء كوبا التي تستطيع أن تفاخر بهن أمم العالم. ولأنني
على دين شاعرنا
العربي عمر بن أبي ربيعة، مولع بالحسن أتبعه ... لا حظ لي منه إلا
لذة النظر ... وبعض
القبلات أحياناً، عندما تتوافر الشروط لذلك، فقد طبعت على وجنتي
الصبيّة أربع قبلات،
من أجل المساواة بين الوجنتين، لا أكثر ولا أقل.
في ساحة
الحرية
أمام تمثال
خوسيه
مارتي
بعد المستشفى ذهبنا إلى ساحة
الحرية، حيث ينتصب شامخاً على
هضبة صغيرة تمثال ضخم
لخوسيه مارتي، البطل القومي لكوبا، قائد معركة الاستقلال منذ
أواسط القرن التاسع
عشر حتى أواخره. وإلى جوار التمثال يقوم المتحف الذي تشير
موجوداته إلى سيرة
هذا البطل القومي. وفي مقابل هذا النصب يقع مقر اللجنة المركزية
للحزب الشيوعي، ومقر
وزارة الدفاع، التي يقودها راوول شقيق فيدل. أما الساحة ذاتها
فهي كبيرة تتسع
لعشرات الألوف من الناس. وفيها تقام الإحتفالات الوطنية
الكبرى.
لم نستطع إكمال جولتنا، بزيارة
متحف خوسيه مارتي. ذلك أنني رفضت أن نصعد
مشياً في اتجاه
الهضبة التي يقع عليها النصب التذكاري لمارتي ومتحفه. وطلبت من
صديقتنا الكوبية
مريم، الأستاذة الجامعية والخبيرة المحلفة في القضايا العربية،
صديقة لبنان
واللبنانيين، التي جاءت لترافقنا ابتداءً من هذا اليوم، طلبت منها أن
تستبدل لنا وسيلة
النقل بسيارة صغيرة نستعيض بها عن الأوتوبيس الكبير، وأن تتخذ
التدابير لعدم
إجبارنا على الصعود إلى أي مكان مرتفع مشياً. في المساء أكملنا
تجوالنا في أحياء
هافانا، الجديدة والقديمة، برفقة صديقينا مروان وأكرم.
كنا
نريد في هذه الجولات
أن نرى كيف يمارس الشعب الكوبي تقاليده القديمة، في الغناء
والرقص على أنغام
السمبا والصلصا. لكننا لم نصادف مثل هذا الذي كنا نعرف ويعرف
العالم في السابق أنه
من تقاليد الكوبيين. وتساءلنا باستغراب: ما الذي حصل
للكوبيين؟ ترى هل
تغيّرت تعبيراتهم عن الفرح بالرقص والغناء، واتخذت شكلاً آخر، أم
أنه صارت لهذه
الإحتفالات مواعيد وطقوس أخرى؟!
وبالطبع فإن لهذه التساؤلات معنى
يتصل بوضع كوبا التي
تحاصرها الولايات المتحدة الأميركية ، منذ ما يقرب من خمسين
عاماً، ، والمستهدفة
بالعدوان عليها، بأشكاله وصيغه وأدواته المختلفة. لكننا لن
نذهب مذهب أعداء
كوبا، لنستنتج من هذا النكوص عن ممارسة الفرح العام المشهود به
للكوبيين ، والمشهور
عنهم، أنهم تخلوا عن الفرح لفقدان القدرة على ممارسة طقوسه
وتعبيراته. لكننا
وجدنا عذراً لهم، إذا كانو حقاً قد خففوا من مظاهر فرحهم
التقليدي، في
الصعوبات التي خلّفها في نفوسهم الوضع الذي خلقه لهم هذا الحصار
الظالم المفروض عليهم
ظلماً وعدواناً. ذلك أننا كنا مقتنعين بأن الشعب الكوبي، الذي
استطاع الصمود طوال
هذا الزمن، سيظل يؤكد للقاصي والداني أنه شعب طيب وشجاع، وأنه
يحب الحياة، وأنه
يستحق أن يمارس حياته بأجمل وأغنى ما فيها. وكنا مقتنعين بأنه شعب
يملك القدرة،
بامتياز، على التعامل مع صعوبات حياته ومع قساوة الشروط التي فرضتها
عليه هذه الصعوبات،
التي جاءت إليه من خارج إرادته، بالقسر، وبالغصب، وبالظلم.
وواضح أن لموقفنا
التبريري هذا أساسه في أننا شيوعيان قديمان، وأننا لم نغادر
انتماءنا الفكري
والسياسي، حتى ونحن نختلف في هذا الإنتماء اليوم عما كان عليه
حالنا في الماضي
البعيد والقريب.
-II-
الثلثاء
22 أيار
شفرة
الحلاقة والعنف الثوري
أفقت
هذا
الصباح وقد استولت عليَّ
مسحة من الكمد والكآبة. ربما كان بعضها من بقايا أحلام
الليلة الماضية
المزعجة. وربما كان بعضها الآخر لأسباب معروفة بالنسبة إليَّ تعود
الى ما حدث لي أمس
وحاولت نسيانه. أما البعض الثالث فكان يحتاج مني إلى الإستنجاد
بفرويد. فلم أستنجد
به. ومن عادتي في مثل هذه الحالات أن أشغل نفسي، ولو بالغصب، في
مسائل أخرى، مهمة أو
تافهة. ثم ينتهي الأمر في لحظات. وأعود إلى طبيعتي وإلى راحة
نفسي. إلا أنني، حين
دخلت إلى الحمام لإتمام واجباتي الصباحية، وجدت أن شفرة
الحلاقة تعاندني،
وتمتنع عن القيام بما هو مطلوب منها. فأغضبني ذلك. وضغطت عليها،
فأحدث هذا الضغط
جرحاً طفيفاً في سالفي الأيمن. وسرعان ما أدركت أنني مارست فعلاً
يتعارض مع موقف كانت
قد تولّدت شروط اتخاذه عندي منذ زمن بعيد. وهو موقف أؤكد فيه،
في ما يشبه القطع، أن
العنف، أية كانت أهدافه، أعني "العنف الثوري" الذي اصطلحنا
نحن الشيوعيين،
استناداً إلى مقولات ماركسية قديمة، على أنه "القابلة القانونية
للتغيير"، هذا العنف
أصبح ، بالنسبة إليَّ، جزءاً من الماضي. إذ أنني اقتنعت، في
ضوء التجارب القديمة
والحديثة، والتجارب الأكثر راهنية، في بلداننا وفي العالم، أن
"العنف الثوري" هذا
قد ساهم في تدمير الهدف المبتغى منه، وهو تحقيق التغيير، الذي
يفترض به أن يؤمن
الحرية والسعادة للبشر. ولأنني اشتراكي قديم في انتسابي إلى
أفكارها ومشروعها،
فإن الأمثلة التي يهمني الإستناد إليها في هذا السياق هي،
بوضوح، تلك التي تتصل
بالتجربة الإشتراكية في معاقلها الأساسية. ولعلي أكتفي، هنا،
بالمقال الذي كتبته
ونشر في ملحق جريدة "النهار" عقب انتهائي من قراءة كتاب سيرة
ماوتسي تونغ التي
روتها الصينية يونغ تشانغ وزوجها الإنكليزي جون هوليداي. ففي هذا
الكتاب وفي تعليقي
عليه وفي بعض إضافاتي التي نسي الكاتبان الإشارة إلى أحداثها،
دليل قاطع وجازم على
كمية التدمير التي ألحقها "العنف الثوري" في حياة البشر في
البلدان التي مورس
فيها هذا العنف، ولا سيما إذا كان هذا "العنف الثوري" يشكل وسيلة
يتخذها زعماء من نوع
ماوتسي تونغ لتحقيق أهدافهم الخاصة، باسم النضال لتحقيق
الأهداف الثورية
العامة. إذ أن استسهال قتل الناس بالجملة، بهدف تأمين السعادة لهم،
كما دلت على ذلك
التجارب الثورية جميعها، رغم ما بينها وبين زعمائها من اختلاف في
الوسائل وفي
السلوكيات، هو دليلي القاطع على أن "العنف الثوري" هو عنف، مثل أي عنف،
أية كانت الصفة
الملصقة به، "ثورياً" كان أم معادياً للثورة. فهو، بحكم كونه عنفاً،
يمارس نوعاً من
التدمير، حتى وهو يدعي، صدقاً أو مراوغة، أنه فيما يدمر إنما يبتغي
إعادة البناء وتحقيق
السعادة للبشر!
قد
علمتني التجارب أن أنصح أولادي، وأبناء
جيلهم من شباب بلادي،
بأن يتابعوا النضال من أجل التغيير، كهدف إنساني لا نهاية له،
ولكن بوسائل ووسائط
وأدوات تقلل الخسائر البشرية والمادية، حتى ولو طالت المسافة
وامتدت زمناً بين
النضال من أجل التغيير، وتحقيق هذا التغيير.
لست،
في هذه
الكلمات الإستطرادية،
في صدد التلميح إلى كوبا، لا من قريب ولا من بعيد. وكنت قد
كتبت قبل السفر إلى
كوبا مقالاً طويلا عن فيدل كاسترو وعن تجربته الثورية، من خلال
معرفتي به، ومن خلال
معرفتي القديمة بكوبا وبثورتها، قبل زيارتي الأولى لها، وبعد
تلك الزيارة. كلامي
واضح، إذاً، في نصه وفي مبتغاه. ولا مجال للإجتهاد.
بين
السياسة والثقافة
جاءتنا الصديقة
مريم في صباح هذا
اليوم مهرولة، كورشة قائمة بذاتها، في كلامها الذي لا ينتهي، وفي
حركتها الدائمة. قدمت
لنا، على الفور، سيارتين، واحدة لي ولها، وأخرى لنجوى
ولفيدليا. فقد كان
لكل منا برنامجه، أنا للسياسة وللثقافة، ونجوى للسياحة وللتعرف
إلى معالم هافانا
السياحية والثقافية. وكان أول لقاءاتي السياسية في هذا الصباح في
مقر اللجنة المركزية
للحزب الشيوعي مع الرفيقة كينيا، النائبة في البرلمان
والمسؤولة عن قسم
الشرق الأوسط والقارة الأفريقية في اللجنة المركزية. حضر اللقاء
مسؤول قسم أميركا
اللاتينية، الذي حدثني بإسهاب عن أوضاع القارة الجنوبية، وعن
مفهوم الحزب الشيوعي
الكوبي للتحولات الجارية فيها، بلداً بلداً، وعلى وجه العموم.
وسيكون لي لقاء في
يوم آخر مع مركز الأبحاث الخاص ببلدان أميركا اللاتينية للمزيد
من المعلومات وللنقاش
حولها. وكنت قد أرسلت إلى الرفاق الكوبيين في العام الماضي
ورقة تتضمن بعض أفكار
عندي حول تقييمي من بعيد لتحولات أميركا اللاتينية، ذات
الطابع اليساري
الشعبوي، تبيّن لي أنهم لم يطلعوا عليها إلا لماماً. فقدمت لهم من
جديد نسخة عنها
بالعربية ونسخة بالفرنسية. وأجلنا البحث في شؤون لبنان ومنطقة الشرق
الأوسط إلى اجتماع
آخر.
انتقلنا من مقر اللجنة المركزية مع الرفيقة كينيا إلى
بيت الصداقة لتناول
الغداء بدعوة من صديقي رومان الذي كان قد وجّه إليَّ الدعوة
لزيارة كوبا.
وللتدقيق في موضوع الزيارة، ومنعاً لأي التباس حولها، أثبت هنا نص
رسالة الدعوة التي
وجهها إليَّ الرفيق والصديق رومان. وهي قد وجهت إليَّ عن طريق
صديقنا سفير كوبا في
لبنان.
"العزيز
داريو: أود، وأنا لك من الشاكرين، أن تنقل
للمثقف البارز
والقائد السياسي، صديق كوبا المخلص، كريم مروة، دعوة المؤسسة الكوبية
للصداقة مع الشعوب
لزيارة بلدنا في موعد نتفق عليه معا. وأنا على يقين أن زيارته
ستكون شديدة الأهمية
بالنسبة لشعبنا، باعتبار أنها ستكون فرصة لنا للقاء شخصية
ملتزمة بشكل معبّر
جداً في نضالها دفاعاً عن قضايا الشعب والوطن. فضلاً عن أن مروة
هو صاحب مساهمات
نظرية فكرية هامة في المسيرة النضالية لشعبه ووطنه
أما
بالنسبة
الى التفاصيل العملية
للزيارة، فيمكننا أن نتفق بشأنها في تاريخ لاحق.
أنريكو
رومان فرناندز
النائب الأول
لرئيس المؤسسة
الكوبية للصداقة مع
الشعوب"
والجدير بالذكر أن الصديق رومان كان
وزيراً للإعلام في
تسعينات القرن الماضي. وشغل منصب رئيس تحرير الجريدة المركزية
اليومية "غرانما"
فترة طويلة. وكلفه فيدل كاسترو بأن ينظم زيارة البابا يوحنا بولس
الثاني التاريخية إلى
كوبا، وأن يرئس لجنة استقبال البابا، وأن يكون رئيس مرافقيه.
وهو مثقف معروف في
كوبا، وشخصية سياسية واجتماعية مرموقة في البلاد. يتابع بعقل
منفتح قضايا منطقتنا
وقضايا العالم المعاصر.
دعيت
إذاً بصفتي الشخصية، وليس
تمثيلاً لأحد، أو
بالنيابة عن أحد. وبهذه الصفة تحدثت مع الرفاق الكوبيين، وتبادلت
معهم الآراء
والتحليلات والمواقف حول قضايا منطقتنا وحول قضايا العالم المعاصر،
وحول قضايا أميركا
اللاتينية والتحولات الجديدة الجارية فيها. وكتبت في الجواب عن
رسالة الدعوة شاكراً
للأصدقاء الكوبيين دعوتهم الكريمة، معلناً لهم أنني سأتقيد
بالبرنامج الذي
يضعونه لي ولزوجتي، من دون أي طلب خاص، إلا واحداً فقط، هو مقابلة
صديقي القديم منذ
أيام الشباب ريسكيه فالدس، رفيق فيدل وراوول كاسترو في الثورة منذ
انطلاقتها حتى
انتصارها، وإلى دهر الداهرين.
ان
اللقاء مع الصديق رومان حميماً.
وهو كان قبل توليه
منصب نائب رئيس المؤسسة الكوبية للتضامن مع الشعوب سفير كوبا في
لبنان بضع سنوات. وفي
بيروت نشأت علاقة الصداقة بيننا.
لى
مائدة الغداء قدمت
للأصدقاء أول قراءة
مفصلة عن الوضع في منطقتنا، بلداً بلداً، ثم في شكل عام. وأسهبت
في الحديث عن لبنان،
في أوضاعه الراهنة، وفي بعض جوانب من تاريخه القديم والمعاصر.
وقدمت، في الوقت
ذاته، قراءتي الخاصة لأحداث الأعوام الثلاثة الماضية، وآخر فصل
فيها المتمثل بما
كان قد حصل في مخيم
نهرالبارد، الذي
وصلتني بواسطة الرفاق
الكوبيين وبواسطة
السفارة اللبنانية كل تفاصيله. استمع الأصدقاء باهتمام كبير، من
دون أن يدلوا بأي
تعليق، ربما احتراماً لأصول الضيافة، وليس بالضرورة اتفاقاً معي
في تحليلاتي، التي
يعرفها القراء لكثرة ما كتبت عنها في الصحافة اللبنانية والعربية
والعالمية ،
وبالتفاصيل. ولم أخف اختلافي في هذا الشأن مع حزب الله في حربنا
الأخيرة مع إسرائيل،
رغم تضامني مع مقاتليه وإعجابي بصمودهم وشجاعتهم. ورغم أنني
أعرف العلاقة الخاصة
التي تربط كوبا بالقيادة السورية، فإنني لم أتردد في اعلان
موقفي المعترض على ما
تقوم به هذه القيادة السورية من تدخل فظ في شؤون لبنان، حتى
بعد خروج القوات
السورية من بلدنا، تحت تأثير انتفاضة الإستقلال في الرابع عشر من
آذار (مارس) في عام
2005، وتجاهلها ضرورة تصحيح العلاقة بين البلدين، تلبية لرغبة
الكثرة الساحقة من
اللبنانيين، وإصرارها على العمل، مع حلفائها وعملائها، في
الإتجاه الذي يؤدي
إلى الفوضى والإنقسام وزعزعة الإستقرار في لبنان.
مع
روائي وشاعر
في مقر اتحاد
الكتاب
والفنانين
انتقلنا بعد ذلك لمقابلة أديبين
كبيرين في مركز إتحاد
الكتاب والفنانين.
وكان لقاؤنا الأول مع الروائي والشاعر والأنتروبولوجي المتخصص في
الأصول التاريخية
لمكونات الشعب الكوبي، ميغل بارنت
(Miguel Barnet). لكن
صديقتنا
مريم طلبت منا أن
نحيي الكاتبة غراسيلا دوغولوتي
(Graciella Dogolotti)
التي فقدت
نظرها. فحييناها
وانتقلنا إلى مكتب بارنت. وهو النائب الأول لرئيس اتحاد الكتاب
والفنانين الكوبيين.
استقبلنا بحرارة، وبآيات من الحب والتقدير للبنان الذي يعشقه
من بعيد إلى الحد
الذي ما أن قدمت له علاقة المفاتيح التي تتدلى منها أرزة خضراء،
حتى قبلها ووضعها على
رأسه كما لو أنها أيقونة، آملاً أن تتاح له فرصة زيارة هذا
البلد الجميل لبنان.
تحدثنا طويلاً في
شؤون ثقافية عامة، ولا سيما ما يتصل
بالثقافة الكوبية
والأدب الكوبي. وحدثنا عن واحدة من رواياته التي يحكي فيها قصة
آخر عبد من عبيد
أميركا اللاتينية، كان قد التقاه في عام 1963. وكان هذا العبد قد
بلغ في حينه من العمر
مئة عام وعامين. هذه الرواية طبعت 72 طبعة في العديد من
اللغات. ولم تطبع
بالعربية. فوعدته بأن نترجمها ونطبعها في لبنان، وأن ندعوه لزيارة
بلدنا وإقامة حفل
توقيع لها بحضوره. وقد باشرت صديقتنا مريم ترجمتها على الفور.
واقترحت بعد عودتنا
على صديقي مدير "دار الفارابي" جوزف أبو عقل طبع الكتاب وتوجيه
دعوة صاحبه إلى
لبنان، فوافق
انتقلنا إلى غرفة ثانية للقاء
الشاعر ألكس باوزيدس
(Alex Pauzides)،
النائب الثاني لرئيس اتحاد الكتاب والفنانين. استقبلنا فور دخولنا
مكتبه بإعلامنا أنه
مطـّلع على الشعر العربي، ذاكراً لنا اسم جبران خليل جبران،
كشهادة على ذلك. وقدم
لنا ديوانين من دواوينه الجديدة. وعندما سألته عن صديقي
القديم الشاعر
نيكولاس غيين (Nicolas
Guien) الذي تعرفت
إليه في خمسينات القرن
الماضي، ونشأت علاقة
صداقة بيننا، دهش للأمر، وقال لي أن هذا الشاعر هو شاعر كوبا
القومي. وأخبرني أنه
توفي في أواسط الثمانينات، وأنهم احتفلوا في عام 2002 بمئوية
ميلاده، وأنشأوا
مؤسسة تحمل اسمه يرئسها ابنه، الذي التقيناه لدى خروجنا من مقر
اتحاد الكتاب
والفنانين. طلب منا صديقنا الشاعر أن نساهم في تبادل الزيارات بين
شعراء لبنان وشعراء
كوبا. ودعا الشعراء اللبنانيين والعرب، من خلالنا، إلى المشاركة
في الملتقى الشعري
السنوي العالمي الذي يقام في هافانا. فوعدناه خيراً، ووعدناه
بالعمل على ترجمة
مختارات من شعره لنشرها في لبنان، ولدعوته إلى زيارة بلدنا.
في
المساء استأنفنا، مع
الصديقين مروان وزوجته الكوبية الظريفة كاريليا وأكرم، تجوالنا
في أحياء هافانا
ومقاهيها والأماكن التاريخية فيها. وهي أماكن رائعة في جمالها وفي
ضخامة وأناقة
بنيانها. بعضها يعود الى حقبة الأسبانية، وبعضها يعود الى المرحلة
السابقة لانتصار
الثورة الكوبية. والأخيرة هي ممتلكات لأثرياء كوبيين وأثرياء آخرين
من القارة كانوا قد
شيّدوها لتكون مراكز لراحتهم في الجزيرة، عندما كانت ملتقى
لسياح العالم،
أثرياءهم وبسطاءهم، من دون تمييز.
|
|
|
سياحة.
|
|
 |
 |
|
قصب سكر.
|
سيغار.
|
-III-
الأربعاء 23 أيار
في معهد
أميركا
اللاتينية للطب
وفي منتجع
همنغواي
السياحي
من
المعالم الكبرى لكوبا معهد أميركا اللاتينية للطب. لم
نفهم، في البداية،
المعنى الذي يشير إليه اسم المعهد. لكننا حين قمنا بالزيارة
ذهلنا. قادتنا
الطبيبة المسؤولة عن العلاقات العامة في المعهد في أرجاء هذا الصرح
الكبير الجميل. شرحت
لنا بالوقائع وبالأرقام المهمة التي من أجلها أنشئ هذا المعهد،
والإنجازات التي
حققها. وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام أساسية، قسم للدراسة في التخصصات
المختلفة، وقسم
لإقامة الطلاب، وقسم للترفيه. قاعات، ومساحات فسيحة، وحدائق،
وأشجار، وبحر يمتد
طويلاً على الجهة الشمالية الغربية من المعهد. يستقبل المعهد
طلاباً من بلدان
أميركا اللاتينية، ومن الولايات المتحدة الأميركية وكندا، ومن بعض
البلدان الأوروبية
والأفريقية. ويـنقصه انضمام طلاب عرب إليه. شروط قبول الطلاب
تنحصر في الأمور
التالية: الشرط الأول هو أن يكون الطالب من ذوي الحاجة، وأن يكون
متفوقاً في دراسته.
الشرط الثاني هو أن ترسل الطالب مؤسسة رسمية أو مؤسسة مدنية أو
حزب سياسي صديق
لكوبا. الشرط الثالث هو أن تدفع الجهة التي ترسل الطالب نفقات
السفر، والباقي من
النفقات يتحمله المعهد، أي التخصص والإقامة ومبلغ من المال يدفع
شهرياً للطالب لكي
يمارس حياته الخاصة في الفرص والأعياد خارج المعهد. أما الشرط
الأخير فهو أن يخضع
الطالب للفحوص الطبية، ثم لفحوص الكفاءة، في السفارة الكوبية في
بلد الطالب، ثم في
المعهد ذاته، فور وصوله إلى كوبا.
وعندما سألت الطبيبة عما
إذا كان بإمكاني
شخصياً أن أقترح عليهم إرسال طلاب ممن أختارهم وفق تلك الشروط،
أجابتني مرحبة بذلك،
باعتباري صديقاً قديماً ومعروفاً لكوبا، فشكرتها. وسأقترح على
نقابة أطباء لبنان أن
تختار طالباً أو أكثر لإرسالهم إلى هذا المعهد، تأميناً
لغايتين: الإستفادة
من إنجازاته، وتعميقاً للصداقة بين أطباء لبنان وأطباء كوبا،
وللصداقة بين البلدين
والشعبين.
في
طريق عودتنا إلى وسط هافانا لمقابلة الدكتور
رودريغيز الفارو
كامبرا (Rodrigues
Alvaro Cambra)، رئيس
جمعية الصداقة الكوبية
العربية، عرجنا على
منتجع همنغواي السياحي الذي يضم فندقاً، ومطاعم ومقاهي، وأحواضا
للسباحة، وبحيرة
لممارسة هواية التجذيف... وسوى ذلك. ومعروف أن همنغواي عاش سنوات
عديدة من حياته في
كوبا. وقد تحوّل منزله في مزرعته الخاصة إلى متحف يضم بعض آثاره،
من كتب وأدوات منزلية
ومخطوطات وصور... ولم يتح لنا الوقت ويا للاسف لزيارته.
لكننا، حين عبرنا
سريعاً على الشاطئ في منتجع همنغواي، قفزت أمامنا للتو صورة
"الشيخ والبحر" في
رواية همنغواي الشهيرة. المنتجع مظهر رائع لوفاء كوبا لهذا
الروائي الأميركي
الكبير.
في مكتب
طبيب العظام
رئيس جمعية
الصداقة الكوبية
العربية
يدهشك
حين تدخل مكتب الدكتور كامبرا، هذا الطبيب الكوبي
العالمي الشهير،
العدد الكبير من الأوسمة التي قدمت له من بلدان عديدة ومن مراكز
ومؤسسات ورؤساء دول.
وهو قد زار العديد من البلدان العربية، ومنها لبنان. وله صور
مع بعض زعماء هذه
البلدان.
طلب
منا الدكتور كامبرا، منذ أن دخلنا مكتبه، أن
نحدثه عما يجري في
لبنان، البلد الذي يحبه، ويشتاق إلى زيارته دائماً. وكجميع الذين
التقيناهم من
أصدقائنا الكوبيين، تمنى علينا هذا الصديق الكبير أن نعمل بكل
إمكاناتنا لكي نحرر
بلدنا مما هو مبتلى به من أزمات وتوترات، وحروب، وحروب أهلية،
وأن نعيد إليه
استقراره، وأن نساهم في جعله، لما يتوافر فيه من جمال طبيعة ومن مناخ
جميل، بلداً من أجمل
بلدان العالم. فوعدناه خيراً، مثلما وعدنا سواه من أصدقائنا
الكوبيين.
ولعلي
أقترح على نقابة أطباء لبنان أن تدعوه لزيارة لبنان، في الوقت
الذي يناسبه
ويناسبها، ويناسب ظروف لبنان. وهو ما وعدته به، وأنا أستئذنه
بالخروج.
مع
الكوادر المسؤولة
عن الشرق
الأوسط
وأفريقيا
ذهبنا
بعد لقائنا الدكتور كامبرا إلى مقر المؤسسة
الكوبية للصداقة مع
الشعوب. كانوا عديدين من ذوي الإختصاص في هاتين المنطقتين في
انتظارنا. قيل لي
وأنا في الطريق إلى هذا اللقاء إن أهمية المؤسسة إنما تكمن في
أنها تقوم مع جهاز
اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بدور مكمل لوزارة الخارجية. فإذا
كانت وزارة الخارجية
تهتم بالعلاقة مع الدول، فإن كلا من اللجنة المركزية للحزب
ومؤسسة التضامن
تقومان بتأمين العلاقة مع ممثلي الشعوب، أحزاباً ومؤسسات وشخصيات
سياسية واجتماعية
وثقافية.
لم
أشأ أن ألقي محاضرة أمام هذه المجموعة الخيّرة من
الإختصاصيين
والخبراء. فاقترحت عليهم أن يطرحوا الأسئلة التي يريدون مني الإجابة
عنها. وهكذا كان. وقد
أتاح لي هذا اللقاء الفرصة لكي أقدم قراءتي الواسعة الشاملة
لكل ما يتصل بقضايا
المنطقة بمجموعها، وببلدانها، بلداً بلداً، وبالأخص لبنان
وفلسطين والعراق.
وتلك كانت رغبتهم. وأرادوا، فوق ذلك، أن أقدم لهم قراءاتي لما
يجري من تحولات في
العالم المعاصر، وتأثير هذه التحولات على منطقتنا. فلم أتردد في
عرض موقفي بصراحة
فائقة، حتى وأنا أعرف أن في بعض مواقفي ما لا يتفق مع قراءتهم
لهذه التحولات.
فاستمعوا إلى آرائي باحترام كبير.
في
المساء جاء صديقنا رومان
لنتابع معاً حديثنا
السابق، حول لبنان ومنطقة الشرق الأوسط، وحول كوبا وأميركا
اللاتينية.
مع
أهالي المعتقلين الكوبيين الخمسة
في سجون
الولايات المتحدة
الأميركية
يعلّق
الكوبيون أهمية كبيرة على قضية
المعتقلين الخمسة
الذين يرسفون في سجون الولايات المتحدة الأميركية، من دون محاكمة،
أو بمحاكمات صورية،
أو بإعادة محاكمات صورية أيضاً. وتنظم الدولة حملة عالمية
للتضامن مع هؤلاء
المعتقلين، وتجند كل إمكاناتها، وإمكانات مؤسساتها، والمؤسسات
الصديقة، من أجل
إطلاق سراحهم.
التقينا زوجة أحد هؤلاءالمعتقلين ومعها ابنتهما،
في مقر المؤسسة
الكوبية للتضامن مع الشعوب. غابت الأخريات لأنهن كن في مهمات
تضامنية داخل كوبا
وخارجها. شرحت لنا الزوجة أسباب اعتقال زوجها ورفاقه الأربعة،
وظروف اعتقالهم،
والظلم الذي يعانونه في معتقلهم التعسفي. فأعلنت لها تضامننا
الكامل معهم، باسم
شعبنا اللبناني، وباسم مقاومتنا الوطنية اللبنانية، وباسم لجنة
المتابعة لقضية
المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. وقدمت لها ولزميلاتها
خمسة قمصان من لجنة
المتابعة، مكتوب على كل قميص باللغة الإنكليزية عبارة التضامن
مع المعتقلين الخمسة.
كان اللقاء عاطفياً وحميماً ومؤثراً.
في
وقت لاحق سألني
أحد الرفاق الكوبيين
عن ظروف حرب تموز في لبنان في العام الماضي. فشرحت له كل
تفاصيل تلك الحرب،
وتفاصيل عن الفترة السابقة لها. وركزت على اجتماعات لجنة الحوار
الوطني وقراراتها،
التي كانت قد سبقت وقوع الحرب. وشرحت ظروف هذه الحرب. وعرجت على
الجرائم الإسرائيلية
ومسألة المقاومين وتضامن اللبنانيين في مواجهة شراسة العدوان
الإسرائيلي، وصولاً
إلى المرحلة التي يجتازها لبنان في هذه الأيام، ارتباطاً بأحداث
مخيم نهر البارد.
وتساءلت، بين الجد والمزاح، لماذا لا تفعلون أيها الرفاق الكوبيون
مثلما فعلنا نحن في
لبنان؟ لماذا لا تأسرون جنوداً أميركيين من أجل التبادل مع
أسراكم؟ لماذا لا
تنشئون مقاومة من أجل تحرير القاعدة الأميركية في غوانتانامو،
مثلما نفعل نحن، من
أجل تحرير مزارع شبعا؟ وأضفت معلقاً على الدور السوري بالقول:
إن أشقاءنا السوريين
يمتنعون عن القيام بأي عمل لتحرير الجولان الذي تبلغ مساحته
حوالى 1400 كلم مربع،
ويقيمون هدنة مع إسرائيل، ويزايدون علينا في المقاومة، وفي
ضرورة وحتمية
استمرارها في لبنان، وفي ضرورة وحتمية استعدادنا الدائم للحرب مع
إسرائيل، حتى لو أدى
ذلك إلى تحويل لبنان ساحة وحيدة لمقاتلة إسرائيل، بالنيابة عن
هذا العالم العربي
الواسع الأرجاء، ولو قاد ذلك إلى دمار بلدنا، مثلما حصل في العام
الماضي، عقب أسر حزب
الله الجنديين الإسرائيليين. استمع الأصدقاء إلى كلامي الذي
سقته بين الجد
والمزاح، وفهموا كل قصدي منه، ولم يعلـّقوا.
الخميس
24 أيار
في رحاب
أميركا
اللاتينية
أول
لقاءات هذا الصباح كان في مركز الأبحاث الخاص
ببلدان أميركا
اللاتينية. وهو لقاء استكملت فيه معرفتي بما يجري في أميركا
اللاتينية من تحولات،
بلداً بلداً، وعلاقة كل هذه التحولات بكوبا، في الإتجاهين:
تأثير التجربة
الكوبية وصمودها في وجه الحصار الأميركي الظالم في هذه التحولات،
وتأثير هذه التحولات
التي تجري في أميركا اللاتينية في دعم صمود كوبا.
توسع
الصديقان مدير المركز
ونائبه في شروحهما. وأرفقا ذلك ببعض الوثائق التي تعزز
تحليلاتهما. لكنني
تدخلت خلال شرحهما لطرح أسئلة عن البلدان التي تجري فيها هذه
التحولات. وقدمت لهم
نسخة من ورقتي الخاصة بهذه التحولات التي أشرت إليها آنفاً،
ونسخة من مقالات
لكتاب عرب تتحدث عن هذه التحولات. توقفت في شكل خاص عند تحليلهما
لظاهرة الرئيس
الفنزويلي الشعبوي تشافيز. ذلك أن جميع الذين التقيناهم من أصدقائنا
الكوبيين يعتبرون أن
تشافيز قريب الشبه بفيدل كاسترو. وهو ما كنت أتردد بحذر في
الموافقة عليه،
طالباً المزيد من المعلومات التي قد تساهم في تغيير وتسديد موقفي من
ظاهرة تشافيز ومن
تجربته، ومن مستقبل التحولات الجارية في فنزويلا. إذ هم يعتبرون
تشافيز إشتراكياً
ملتزماً منهج كاسترو، مؤكدين، في شرح ذلك لي، أنه قد شرع في تأسيس
حزب إشتراكي يضم إلى
جانب المجموعة التي تسانده منذ وصوله إلى مواقع القرار في
البلاد، قسماً من
الحزب الشيوعي، وأقساماً من حركات يسارية أخرى. ويعتبرون أن هذا
الحزب سيكون القائد
السياسي للتحولات الجارية في فنزويلا في اتجاه اليسار، بوجود
تشافيز في موقع رئاسة
الدولة، أو حتى بعد خروجه منها بالإنتخابات أو بالقسر. وحين
سألتهم عن الهندي
الأحمر موراليس رئيس بوليفيا المنتخب، قدموا لي شرحاً مفصلاً عنه.
فهو في الأساس عامل
ونقابي شجاع. وهو يشكل في نظرهم النموذج الثاني لتحولات أميركا
اللاتينية نحو
اليسار، بعد تشافيز. لكنهم يتحفظون عن سياسة كل من لولا في البرازيل،
برغم أصوله العمالية
وقيادته لحزب عمالي، وعن سياسة رئيسة تشيلي الإشتراكية، وعن
عدد من إجراءات دول
أخرى في القارة، منها الأوروغواي. ويعتبرون، في الوقت ذاته، أن
عودة الساندينيين
بقيادة أورتيغا إلى السلطة بعد ما يقرب من عقد ونصف العقد من
خروجه منها بالتآمر
الأميركي المباشر، ظاهرة إيجابية. أما تحفظاتهم عن البرازيل
وتشيلي والأوروغواي
فهي تعود، في رأيهم، إلى أن رؤساء هذه الدول قد غامروا في توقيع
اتفاقات إقتصادية مع
الولايات المتحدة الأميركية، باعتبار أن هذه الإتفاقات، حتى لو
كانت تساهم في التقدم
الإقتصادي لهذه البلدان، إلا أنها تشكل، في نظرهم، مصدر خطر
عليها، بحكم أن
الولايات المتحدة الأميركية ستظل، في نهاية المطاف، تطمح الى أن
تنشر هيمنتها على
الشطر الجنوبي من القارة، ولو في صيغ مختلفة عن السابق، أي من دون
تدخل مخابراتي ومن
دون انقلابات عسكرية.
وفي
نهاية اللقاء، وتقديراً منهم
لاهتمامي بالمنطقة،
وجه الصديقان إليَّ دعوة لحضور المؤتمر الذي سيعقد في تشرين
الثاني المقبل في
هافانا حول قضايا أميركا اللاتينية بحضور ممثلين لكل بلدانها.
فشكرتهم ووعدت بتلبية
الدعوة، إذا سمحت لي ظروف لبنان بذلك.
في
المدرسة الحزبية
مع فالدس
فيفو
فالدس
فيفو هو عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، مدير
المدرسة الحزبية،
التي تعيد تأهيل كوادر الحزب والدولة، وتخرج طلاباً في ميادين
اختصاص مختلفة،
حاملين شهادات تؤهلهم للعمل في ميادين اختصاصهم. إعادة التأهيل
تراوح بين أسبوع
وأسبوعين وشهر، أو أكثر من ذلك. أما الدراسة في ميادين الإختصاص
فهي شبيهة بما هو
قائم في الجامعات. المدرسة المركزية تضم خمسة آلاف طالب، عدا
الذين يأتون إليها
لمدد قصيرة. أما مدارس المحافظات الأربع عشرة، فهي تضم ما مجموعه
خمسون ألف طالب. في
حين أن الذين يرتادون المدارس الحزبية في البلديات في شتى اتحاد
البلاد يبلغ عددهم
مليون طالب. هذا ما قاله لي الرفيق فالدس فيفو، عندما جلسنا
نتحدث عن المدرسة.
وكان يتحدث بلغته الفرنسية الصافية. وكانت صديقتنا مريم تتدخل
عندما كان يقتضي
الأمر مزيداً من الشروحات. قلت لصديقي فالدس، البالغ من العمر
ثمانين عاماً: "إنني
أرى فيك، وفي المدرسة التي تقودها، مربياً للشعب الكوبي
برمته". فابتسم وقال
لي:" ليست المسألة مسألة تربية شعب، بل هي، ببساطة، محاولة منا
لتقديم المساعدة
للكوادر الذين يقودون البلاد، في مواقعهم ومسؤولياتهم المختلفة،
لكي يكونوا على مستوى
الإضطلاع بمهماتهم، في الميادين السياسية والإقتصادية
والفكرية والثقافية،
وحتى الإدارية العامة". فقلت له مازحاً: "إنك والله لشخص مهم
جداً". وطلبت منه أن
يعرفني بنفسه جيداً. فأخبرني بتفاصيل حياته، منذ أن كان
طالباً، رفيقاً لفيدل
كاسترو ولشقيقه راوول، ولصديقي القديم ريسكيه فالدس. التحق
بالثورة منذ
بداياتها. ثم تابع دراسته في الإقتصاد وفي التاريخ. وشغل في الحزب
الشيوعي الجديد لدى
تأسيسه في عام 1975 مركز المسؤول في سكرتاريا الحزب عن العلاقات
الخارجية. وجاء بعده
رافائيل رودريغز، صديقنا القديم، الذي غيّبه الموت في ثمانينات
القرن الماضي. وهو
واحد ممن أتيح لي أن ألتقيه في كوبا وخارج كوبا مرات عديدة، في
مؤتمرات الأحزاب
الشيوعية. ثم أخبرني صديقنا أنه كتب بضعة مؤلفات في تاريخ كوبا،
أهدى الي جزءين من
أهم هذه الكتب باللغة الإسبانية مع إهداء. وكتب الشعر كذلك وأهدى
الي أحد دواوينه. ومن
طرائف لقائي صديقنا فالدس هذا مدير المدرسة الحزبية، هو أن
التباساً حصل لي معه،
بسبب اسمه. إذ كنت أتصور أنه هو صديقي القديم فالدس، فأرسلت
اليه كتابي الصادر
باللغة الفرنسية بالإشتراك مع سمير أمين وبمقدمة من جورج لابيكا.
وكان بعنوان: شيوعيون
في العالم العربي، أرسلته اليه مع إهداء يشير إلى صداقتنا.
وحين انجلى الإلتباس
أجرينا معاً اتصالاً بصديقي ريسكيه فالدس بالتلفون، فأخبرني
أنه ينتظرني في مكتبه
في اللجنة المركزية للحزب، بعد ظهر هذا اليوم. وقد سرني ما
قاله لي الصديق فالدس
عن كتابي هذا، الذي تضمن موقفي من ماركسية عصرنا، وموقفي من
أحداث لبنان الأخيرة،
وروايتي المكثفة عن تاريخ الحركة الشيوعية العربية في فصل
يحمل العنوان التالي:
الحركة الشيوعية العربية: ماض عاصف ومستقبل مجهول.
انتقلنا
بعد ذلك اللقاء
الجميل إلى مائدة الغداء بصحبة زوجة فالدس الصينية، وزوجتي نجوى،
ومرافقتينا الصديقتين
مريم وفيدليا. هنا جاء دوري في تقديم قراءتي لأحداث لبنان
والمنطقة، الذي كررت
فيه ما كنت قد عرضته في لقاءاتي مع الأصدقاء الآخرين. وتخلل
اللقاء طرح أسئلة
استيضاح، أتاحت لي الدخول في تفاصيل كان صديقي فالدس حريصاً على
معرفة رأيي فيها.
وكان يحب أن يعرف ماذا يجري في إيران. فأدليت بكل ما كان لديّ من
معلومات ومعطيات
استقيتها من أصدقاء لبنانيين وإيرانيين وعراقيين حول ما يجري في
هذا البلد الكبير من
تحولات، بعضها واضح للعيان، وبعضها خفيّ عن العالم، إلا عن
الذين يسافرون إلى
هذا البلد، ويقيمون مع مكوناته السياسية والثقافية علاقات وثيقة
وحميمة. ومن هؤلاء
عدد من أصدقائي. وكم كانت دهشته كبيرة عندما علم بأنني تلقيت
دعوة من صديق إيراني
كبير، وهو رجل دين ومثقف كبير، لزيارة إيران، رغم معرفته
بمواقفي التي أتفق
معه في بعضها، وأختلف معه في الكثير منها. وهي زيارة مفتوحة، كما
قال لي، حددنا موعدها
في خريف هذا العام.
مع صديق
العمر ريسكيه فالدس
المعاون
السياسي لراوول
كاسترو
ذهبت
بعد الظهر مع الصديقة مريم إلى مقر اللجنة المركزية
للحزب في ساحة
الحرية، لمقابلة ريسكيه فالدس، صديق العمر. كنا، فالدس وأنا منتصف
خمسينات القرن
الماضي، نعمل معاً في قيادة اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي، هو
مسؤول عن العلاقة مع
شبيبة أميركا اللاتينية، وأنا مسؤول عن العلاقة مع الشبيبة في
منطقة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا. هناك توطدت علاقة الصداقة بيننا نحن الأثنين من
مواليد العام ذاته
1930، قبل أن يغادرنا ريسكيه للإلتحاق بالثورة، إلى جانب فيدل
وراوول كاسترو وفالدس
فيفو وآخرين.
كان
اللقاء مع صديقي فالدس حميماً ومؤثراً.
كان آخر لقاء بيننا
أواخر عام 1987 في مؤتمر الحزب الشيوعي الفرنسي. كان في ذلك
الحين لا يزال عضواً
في المكتب السياسي وفي سكرتاريا الحزب الشيوعي، مسؤولاً عن
العلاقات الخارجية.
سألته عن وضعه الراهن. فأخبرني أنه كان قد ترك موقعه في المكتب
السياسي وفي سكرتاريا
الحزب وبقي عضواً في اللجنة المركزية، مكلفاً العمل مع راوول
كاسترو، الشخص الثاني
في الحزب وفي الدولة، في الميدان السياسي، وأن مكتبه الذي
التقينا فيه مجاور
لمكتب راوول. وكان معنا في اللقاء الرفيق القديم فرو، صديقنا
الذي زار لبنان مرات
عديدة، والذي كان يشغل مواقع في قيادة الحزب. واحتفظ بموقعه
كعضو في اللجنة
المركزية، بعد أن بلغ من العمر خمسة وثمانين عاماً، محتفظاً بصحته
الجسدية والذهنية.
كما شاركت في اللقاء الرفيقة كينيا، مسؤولة الشرق الأوسط
وأفريقيا في اللجنة
المركزية للحزب، والرفيق أكوستا، النائب الثاني لرئيس المؤسسة
الكوبية للتضامن مع
الشعوب.
كان
من الطبيعي أن يسألني صديقي ريسكيه فالدس عن
وضعي الشخصي، وأين
أصبحت. وكان من الطبيعي كذلك أن يسألني عن رأيي في أوضاع لبنان
والمنطقة. وكانت هذه
المناسبة هي المناسبة الأخيرة التي أقدم فيها قراءتي المفصلة
عن الوضع في لبنان
وفي المنطقة من دون حذر، ومن دون التباس، ومن دون غموض، تماما ً
كما أعرف، وكما أرى،
وكما أتصور تطور الأحداث راهناً ومستقبلاً. سألني صديقي، في
ختام اللقاء، إذا كنت
لا أزال شيوعياً، بعد تركي موقع المسؤولية في الحزب الشيوعي
اللبناني، فأجبته
أنني ما زلت شيوعياً، ولكن على طريقتي، شيوعياً مستقلاً في مواقفي
وآرائي، وأنني ما زلت
ماركسياً، وفق فهمي لأفكار ماركس، ولكن ضد دوغمائية الكثير من
الماركسيين،
وبالتمايز عن ماركس في عدد من مفاهيمه التي لم تعد صالحة لعصرنا الحالي
الحافل بالتحولات
الكبرى في كل الإتجاهات. وعندما سألته عن أصدقائنا القدامى،
أخبرني أن معظمهم قد
غادر الحياة، وأن آخرهم سوتو فقد النظر. فحزنت وقررت ألا أذهب