|
لقد كان الغزو الأميركي لكوبا قبل أربعين عاما فيما يعرف
بخليج الخنازير فشلا ذريعا على حد قول المؤرخ تيودور درابر ولم تكن محاولة واشنطن
للإطاحة بفيدل كاسترو بإرسال 1400 مهاجر كوبي على الشاطئ الكوبي للقيام بثورة شعبية
محاولة غير فعالة فحسب ولكنها كانت تقوم على سوء فهم عميق لكوبا من جانب صناع
السياسة الأميركيين ما زال مستمرا إلى اليوم.
وكان هذا الغزو وما لحقه من حملات تخريب ومحاولات اغتيال
من تدبير الاستخبارات الأميركية (سي آي أيه) نابعا من اعتقاد واشنطن أن حكومة
كاسترو كانت مناقضة للمصالح الأميركية بحيث يستحيل التعايش معها: ولابد من الإطاحة
به. هذه السياسات فشلت بسبب أن واشنطن لم تفهم كيف يمكن أن ينجح كاسترو في حشد
الشعور الوطني خلف ثورته في أي مواجهة مع الولايات المتحدة.
وقد تغير العالم تغيرا كبيرا منذ 1961 ولكن السياسة
الأميركية تجاه كوبا لم تتغير بشكل ملحوظ ولا تزال واشنطن عاجزة عن تصور
التعايش المشترك مع كاسترو وتستمر في محاولات الإطاحة به ولو بوسائل أخرى غير القوة
العسكرية ، ولا تزال تتعامى عن حقيقة أن تصرفاتها تمكن كاسترو من إثارة الشعور
القومي لدى الكوبيين ؛ فضلا عن أن السياسة الأميركية تستخدم مجموعة من العقوبات
الاقتصادية الحادة التي تهدف لإضعاف نظام كاسترو واتصالات شعب إلى شعب بهدف تعزيز
تطور المجتمع المدني.
وتعد اتصالات شعب إلى شعب -عن طريق التبادلات الاكاديمية
والثقافية وتحسين الروابط الجوية والاتصالاتية- جديرة بالثناء من حيث المبدأ ، فهي
تخدم المصالح المباشرة للمواطن العادي على جانبي مضيق فلوريدا ؛ بيد أن السياسة لها
سلاح ذو حدين ، فواشنطن من البداية ترى هذه الاتصالات كوسيلة لهدم الحكومة الكوبية
، وهذا هو أسلوب السياسة الذي تم ترويجه عند تقديمه للمرة الأولى في قانون
الديمقراطية الكوبية لعام 1992 ، حيث جادل مقدمه السيناتور روبرت تورسيلي بأن
الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية سقطت في النهاية بسبب قوة الأفكار ، وبالمثل
ستسقط كوبا.
وانخرطت واشنطن بصورة أكبر ؛ فبالإضافة إلى الاتصالات
الاكاديمية والثقافية يجيز قانون 1992 منح مساعدات حكومية أميركية للأفراد
والمنظمات لتعزيز التغيير الديمقراطي السلمي في كوبا ، ووافق الرئيس الأميركي
السابق بيل كلينتون على مثل هذا البرنامج في 1995 ، وفي العام التالي وسع قانون
هيلمز بيرتون تفويض بناء الديمقراطية لهذا البرنامج السياسي الصريح فأجاز تقديم
مساعدات لجماعات الديمقراطية وحقوق الإنسان في كوبا وللسجناء السياسيين السابقين
وعائلاتهم ، وتم إرسال نحو 10 ملايين دولار منذ 1996 و5 ملايين أخرى سيتم تخصيصها
في دورة الميزانية القادمة ، وهناك مشروع قانون جديد قدمه النائب الأميركي من أصل
كوبي لينكولن دياز بالارت لحصر هذا الدعم السياسي على جماعات المعارضة والسجناء
السياسيين السابقين .
وفكرة تعضيد ومساندة الجماعات المعارضة للأنظمة التي لا
تحبها واشنطن فكرة ليست بالجديدة ، فالولايات المتحدة مولت في السر والعلن صحفا
واتحادات تجارية وأحزابا سياسية ومنظمات غير حكومية في الكثير من الدول بهدف تقويض
حكوماتها ، وكان للاستراتيجية سجل نجاح قياسي مؤثر: فقد نجحت في الإطاحة بمحمد مصدق
في إيران وجاكوب أربنز في غواتيمالا وسلفادور أليندي في شيلي والساندنيستا في
نيكاراغوا وسلوبودان ميلوسيفيتش في يوغسلافيا.
ولكن استغلال أي قدر من الحرية السياسية في بلد آخر للعمل
على إسقاط نظام الحكم فيه يضع الديمقراطيين الحقيقيين لا محالة في خطر ، فقد نجا
كاسترو من عداوة واشنطن في الستينيات جزئيا بفضل استئصاله لجميع أشكال المعارضة
السياسية بشكل سريع ومتهور ، واليوم تتقلب المساحة السياسية المفتوحة-رغم ضآلتها-
أمام خصوم نظامه على حسب اتجاه العلاقات الأميركية الكوبية.
ويرد المدافعون عن المساعدات السياسية بأن المنشقين
الكوبيين أنفسهم هم أفضل من يقرر هل تلقي مساعدات خارجية يستحق القمع الإضافي الذي
يتحملونه أم لا ، ويشيرون إلى أنه لا أحد يُجبر على تلقي مساعدات أميركية والبعض
يرفضها كما هو الحال مع اليزاردو سانشيز الناشط الكوبي في مجال حقوق الانسان ، ولكن
المشكلة هي أن أي جفوة في المناخ السياسي تؤثر في الجميع ، وعندما يشدد نظام كاسترو
إجراءاته فالكل يعاني وليس فقط أولئك الذين قرروا بكامل وعيهم المخاطرة بمعاداة أمن
الدولة بقبول الدعم الأميركي ، وكل منشق يوصم بعدم الولاء ويخضع لقوانين جديدة
قاسية كالذي أُجيز في 1999 ويجعل من التعاون مع الولايات المتحدة جريمة تصل عقوبتها
إلى 20 عاما سجن.
علاوة على ما سبق فإن الذين ليسوا خصوما سياسيين للحكومة
ولكنهم يريدون فقط توسيع حدود البحث الفكري والنقاش السياسي في كوبا هؤلاء يجدون
أنفسهم مقيدين ، ففي 1996 بعد فترة وجيزة من إقرار قانون هيلمز بيرتون أدان وزير
الدفاع الكوبي راؤول كاسترو الأخ الأصغر لفيدل المثقفين الكوبيين لتطويرهم علاقات
وثيقة على نحو خطير مع مؤسسات ومنظمات أميركية غير حكومية ، ومن ثم بدأت عملية
تنظيف أيديولوجي لمؤسسات فكرية كوبية ، وهكذا كان لسياسة تصورتها واشنطن وسيلة
لزيادة التدفق الحر للأفكار أثر عكسي مثبط.
إن المفكرين والمسئولين الكوبيين على المستوى المتوسط
الذين يحاولون إيجاد سبل خلاقة لحل مشاكل بلادهم هم أكثر عددا وأفضل وضعا من حركة
المعارضة المحدودة ، ويعترف الأوروبيون بأن هؤلاء هم الذين سيحددون على الأرجح
المسار المستقبلي لكوبا ومن ثم حاولوا بناء علاقات بناءة معهم ، بينما تفشل السياسة
الأميركية في التمييز بينهم وبين المتشددين في النظام وتراهن على ان المستقبل بيد
مجتمع المنشقين الضئيل المنقسم والمنعزل.
وعندما ستهب رياح التغيير على كوبا من المتوقع أن تأتي من
قبل مجموعة مؤتلفة من الناس داخل وخارج النظام كما حدث بصورة نمطية في التحولات
الديمقراطية الأخرى في أميركا اللاتينية ، و السياسة الأميركية برسمها خطا فاصلا
بين المسئولين الكوبيين الذين تمقتهم واشنطن والمنشقين الكوبيين الذين تدعمهم، تجعل
مسألة ظهور مثل هذا الائتلاف أمر عسيرا.
ربما يتهم كاسترو خصومه بأنهم عملاء لقوة أجنبية سواء
كانوا يتلقون مساعدات أميركية أم لا ؛ بيد أن تاريخ العلاقات الأميركية الكوبية
يضفي رنينا خاصا على تهمة وجود يد أميركية خفية تحاول التلاعب في الحياة السياسية
الكوبية.
وينبغي لواشنطن أن تلغي برنامج مساعداتها السياسية العلني
لجماعات المعارضة ؛ فبناء على تاريخ العداء الأميركي للحكومة الكوبية لا توجد طريقة
تجعل هذا الدعم يتجنب تلطيخ كل من يتلقاه وبالتالي يلقي بظلال الشك على كل من
يتفاعل مع الأجانب ويفاقم من الانقسامات الداخلية بأشكال تجعل احتمالات التغيير
السلمي أقل ، ويتوجب أن تكون اتصالات الشعب إلى الشعب الموثوقة حقيقية غير حكومية
دون أن تنظمها وتستغلها الحكومة من وراء الستار.
وليام ليوغراند
أستاذ الحكومة بكلية الشئون العامة بالجامعة
الأميركية ـ خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست ـ خاص
بـ(الوطن) |