سامي كليب
هافانا:
كوبا أجمل مما يحكى عنها، وصامدة
أكثر مما يروى عن صمودها. والرحلة اليها تبدأ بسعادة كبيرة وتنتهي
بسعادة أكبر، والله وحده يعلم سر ذلك، فالبلد لا يزال يعيش اوضاعا
اقتصادية صعبة، وحصارا اميركيا جائرا، ولكن موسيقى
«السالسا» التي تصدح ابتداء من
بعد ظهر كل يوم، تكاد تنسي الكوبيين هموم الحياة، فيرقصون ويضحكون
ويتعانقون في ليالي الغرام الطويلة، وكأنما الفقر والحصار اشياء عابرة،
وان الحلم بحياة افضل لا بد آت. ولكن أي حلم؟ واية حياة؟
بالاسئلة البسيطة عن الحلم
والحياة، وعن صحة الرئيس الكاريزماتي فيدل كاسترو، بدأت رحلة
«السفير» الى كوبا، ذلك ان الجميع
يؤكد ان صحته تتحسن، ولكن أحدا لا يستطيع ان يقدم تفاصيل، سوى انه قد
يستعيد زمام الامور، وان من بين المشرفين على اوضاعه الصحية، طبيب من
اصول لبنانية.
يجب ان يكون الزائر متسلحا بكثير
من العزيمة المهنية لكي يستطيع ان يعمل في بلد يوحي أهله (مجرد إيحاء)
بأنهم في احتفال دائم وان العمل هو مجرد استثناء يومي لملء فراغ قبل
الظهر. ولكن الأمر اعمق من ذلك وأكثر تعقيدا وصعوبة، ففي كوبا ظواهر
الأمر غير بواطنها، وثمة من يرقص منتشيا بالموسيقى ومشروب
«موهيتو»، وآخر يرقص مذبوحا من
الفقر المرتبط بالحصار الأميركي الجائر.
انها نعمة الطبيعة، تجعل كوبا
كسيدة تقدم بها العمر قليلا لكنها لا تزال تحتفظ بكل جاذبيتها وأنوثتها
والسحر. ولعل من المرات القليلة التي صدق فيها كريستوف كولومبوس هي حين
قال في العام 1492 ان هذه الجزيرة هي «الأرض الأكثر جمالا التي دغدغت
العين البشرية».
كانت اجراءات السفر غاية في
السهولة. فـ«الرفيق» كاسترو وسع الباب امام السياح الاجانب بعدما تفكك
الاتحاد السوفياتي وانهارت المنظومة الشيوعية. باتت السياحة تشكل مصدرا
ماليا أساسيا للدولة، واضيفت اليها بعض القطاعات الانتاجية الاخرى
والاجراءات الحكومية لمنع الانهيار الاقتصادي، ثم جاء جزء من الفرج من
حيث لم ينتظر أحدا. جاء من فنزويلا، وتحديدا من الرئيس المتمرد هوغو
تشافيز والخصم الشرس ايضا للولايات المتحدة.
لقد ساهم تشافيز في إنقاذ صديقه
كاسترو من تدهور اقتصادي خطير وبات احد أهم مساندي الاقتصاد الكوبي في
وجه الحصار والجور الأميركيين. (في الاسبوع المقبل تقرير وتفاصيل عن
الحصار الاميركي).
جاء تشافيز في الوقت المناسب. ذلك
ان التقنين الذي عرفته كوبا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وصل الى حد
قطع الكهرباء لساعات يوميا وتحديد انواع الطعام واعتماد البطاقات
الغذائية.
واضطر فيدل كاسترو في آب العام 1990 الى
الاعلان عن برنامج خماسي عرف باسم «periodo
especial» (المرحلة الخاصة) بغية
تعويض غياب التبادل والاعتمادات مع الاتحاد السوفياتي والتي كانت تمثل
5 مليارات دولار في العام الواحد.
سعت أميركا لخنق كوبا أكثر من
مرة. فرضت عليها القوانين. عاقبت الشركات التي تتعامل معها. كثفت
إجراءاتها العدائية. اضطر البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1998
للمجيء الى هافانا، فنسي هو قليلا ثوب الرهبنة، ونسيت كوبا قليلا ثوب
الشيوعية، وقال من على أرضها بان الحصار الاميركي «غير عادل وغير مقبول
أخلاقيا». لكن لا دعوات البابا ولا التدخلات السنوية للأمم المتحدة
استطاعت ان تثني الكاوبوي الاميركي الذي شعر بان حبله قد التف حول
«الحصان» الكوبي ولم يبق امامه سوى سحبه باتجاهه فيأتيه صاغرا طائعا.
صمد كاسترو، وصمدت كوبا الأبية.
ولكن الأهم، ماذا سيحصل بالبلاد بعد رحيله، هل تبقى أبية، ام تأخذها
أحلام التغيير نحو العالم الرأسمالي؟
كان من قبيل الصدف أن الرحلة الى
كوبا تزامنت مع إعلانين، الاول جاء من الرئيس البوليفي ايفو موراليس
الذي اكد ان كاسترو جاهز للعودة الى السلطة ابتداء من الاول من أيار،
والثاني من الرئيس الاميركي جورج بوش الذي قال امام طلاب اميركيين
وكوبيين في ميامي ان نهاية النظام الكوبي باتت قريبة.
الحلم الاميركي بقلب النظام قديم
كقدم عروق يد كاسترو التي لا تزال ترتفع في الهواء صامدة ضد الشمال
الاميركي. ويتندر الكوبيون ببعض أخبار المسؤولين الأميركيين او
المعارضين الكوبيين المقيمين في أميركا.
ويقولون على سبيل النكتة، ان اصبع
الاميركيين قد تقلص طوله لكثرة ما ينقرون به على الطاولة مؤكدين ان
نظام كاسترو سيسقط هذا العام. بقي كاستور رغم انف البيت الابيض وحكامه.
العين الكوبية صامدة ضد المخرز
الأميركي. لم تسقط التجربة الاشتراكية في كوبا رغم انها ترنحت أكثر من
مرة. بقيت كوبا صامدة في وجه الحصار، لا بل صمدت أيضا بعدما أعرب
الأوروبيون عن تبعية غير مسبوقة في علاقتهم مع اميركا حيث قرروا في
العام 1996 فرض حصار آخر مطالبين كاسترو بان يقدم دلائل واضحة «على
طريق الانتقال السلمي نحو تعددية ديموقراطية».
كان رئيس الوزراء الاسباني السابق
خوسيه ماريا أثنار، الأطلسي الاتجاه، قد نجح في دفع حلفائه الاوروبيين
الى تبني عقوبات سياسية واقتصادية على الجزيرة في صيف العام .2003 مرت
العقوبات الاقتصادية والسياسية، وبقي فيدل كاسترو يردد «ان الكلاب تنبح
والقافلة تسير».
تأخرت الحقائب قليلا في مطار
هافانا بعد رحلة دامت 10 ساعات بالطائرة من باريس. لا بأس، فتاريخ كوبا
في الذاكرة ونضالها وصورة تشي غيفارا في المخيلة، أشياء تجعل الزائر
متسلحا بالكثير من الصبر والمحبة، وغافرا لما قد يعترضه من مصاعب او
عقبات. ففي الصبر هنا تعبير عن تقدير للنظام الصامد، ولكن أيضا عن شجب
لمحاصريه.
نساء الاوتستوب والسيارات العتيقة
تأتي شابة كوبية من الجمارك.
تبتسم للجميع، وتطلب الانتقال الى السجادة المجاورة لاستلام الحقائب.
الوجود النسائي في الجمارك والأمن والشرطة لافت، تماما كما هي لافتة
بشاشة المشرفين على الأمن والمناقضة للكثير من فظاظة رجال الأمن ونسائه
في الدول الغربية..... والعربية خصوصا.
شابة اخرى تنتظر خارج قاعة
المطار، توزع الركاب على سيارات التاكسي. سيارات متنوعة بينها المغالي
في القدم والعائد الى اكثر من 40 عاما، وأحدثها يعود الى اكثر من 15
سنة. باتت السيارات القديمة جزءا من التراث الكوبي. بدأ الامر لاسباب
اقتصادية، فصار مادة سياحية جاذبة بامتياز.
تعود السيارات القديمة والضخمة
الحجم والمتعددة الألوان الى الأيام الاولى للثورة او الى ما قبل
الثورة، ولذلك فان اصحابها يحافظون عليها من منطلق انها جزء من
ممتلكاتهم القديمة. واما السيارات الاكثر حداثة، فانها تباع من قبل
الدولة بأسعار تقل عن قيمتها الفعلية، ولكنها تباع فقط للذي «يستحقها»،
بحيث ينبغي ان يكون قد قدم خدمات صحية او تربوية او اجتماعية وغيرها،
ولذلك فلا يحق لمالك السيارة ان يبيعها الى شخص آخر وانما يبيعها الى
الدولة التي تعيد بيعها الى مواطن آخر.
كلمات الترحيب بالاسبانية من قبل
سائق التاكسي، تختفي شيئا فشيئا خلال الدخول الى هافانا. اشجار وارفة.
ازقة نظيفة. بنايات توحي بانها لا تزال قائمة في تاريخها الارستقراطي
حين كانت كوبا اول دولة منتجة ومصدرة للسكر وثالث شريك للولايات
المتحدة بعد بريطانيا والمانيا. انتهى عصر الرأسمالية ولكن المباني
القديمة لا تزال واقفة باناقة ودقة بنائها القديم. اما شبابيكها
والابواب العتيقة، فتوحي بأنها آيلة للسقوط بين لحظة واخرى.
انها نعمة ونقمة كوبا في آن.
وهي نعمة لكون كوبا لا تزال
محافظة على طابع تراثي قل نظيره في العالم، ولا تزال مريحة للزائر بحيث
لا زحمة سيارات ولا ناطحات سحاب، ولا اعلانات لمطاعم الوجبات السريعة.
فهنا لا حاجة لاية اعلانات ذلك ان
المواطن يشتري كل السلع الموجودة، وان السلع معروفة وليست بحاجة الى
ترويج، وفق ما يروي لنا أكرم، الطبيب اللبناني الذي درس في كوبا وتزوج
منها ويعمل حاليا في السفارة اللبنانية في هافانا.
وأما النقمة، فلأن المباني باتت
بحاجة الى تجديد، ذلك ان أحوال بعضها صارت مقلقة، وهو الأمر الذي جعل
المسؤولين عن المدينة القديمة في هافانا مثلا يضعون خطة اقتصادية تعتمد
على رفع اسعار الفنادق والخدمات السياحية وعلى تنويع وتعزيز وتجديد
المتاحف والاماكن الاثرية، بحيث ان ما يتم جمعه يوظف للتجديد.
وتبدو السياحة الأوروبية الأكثر
حضورا ذلك ان العلاقات مع الولايات المتحدة مقطوعة والتأشيرات ممنوعة
وكذلك الرحلات المباشرة، ويقول بعض المشرفين على القطاعات السياحية ان
الايطاليين والاسبان هم الاكثر حضورا ويأتي بعدهم الاوروبيون الاخرون
وخصوصا من فرنسا والمانيا والدول الاوروبية القديمة.
انتهى الزمن الذي قال فيه الثائر
هاتوي حين جاءه الراهب يطلب منه الاعتراف قبل اعدامه حرقا «اذا كان
الأسبان سيذهبون الى الجنة فلتكن جهنم نصيبي ولا حاجة بي للاعتراف او
المغفرة».
يفكر زائر كوبا بالتاريخ الاسباني
الاستعماري والدموي في هذا البلد. ويفكر أيضا باستعباد الافارقة حين
جيء بهم للعمل في مزارع ومصانع قصب السكر. فمزيج الأجناس والألوان خلق
شعبا كوبيا متنوع الالوان، واذا كانت السحنات الخلاسية (مزيج الأسود
بالأبيض) هي الغالبة والطاغية والاكثر جمالا واثارة ولفتا للانتباه،
فان السحنات البيضاء والشعر الاشقر جزء ايضا من المزيج الكوبي الجذاب.
كأنما الله خص هذه الجزيرة بسحر الطبيعة والبشر في آن.
مجانية الطب والتعليم
الطب في كوبا تماما كالتربية، هو
من القطاعات الرائدة، بحيث ان النظام الصحي الكوبي من افضل الانظمة في
العالم، وتستطيع بلاد فيدل كاسترو ان تصدر الى فنزويلا والى دول اخرى
في العالم آلاف الاطباء، ناهيك عن اولئك الذين اختاروا الرحيل والعمل
في الولايات المتحدة.
والطب في كوبا مجاني كمعظم
الخدمات الاخرى. وإمكانية تصنيع الأدوية كبيرة بحيث ان اكثر من 70 في
المئة من الأدوية تنتج محليا. ويروي طبيب كوبي ان أميركا رفضت في
مناسبات عديدة ارسال دواء لمرضى رغم معرفتها الدقيقة بحالتهم الصحية
الخطيرة وملفاتهم الواضحة. لا بأس، قد يشفى المريض او يموت، ولكن لن
تقبل كوبا بان تطأطئ رأسها. هذا كان المبدأ ولا يزال.
والتربية هي الاخرى مجانية، وقد
نجح نظام كاسترو في جعل كوبا من البلدان النادرة في العالم التي ليس
فيها اي أمي واحد.
وليس غريبا، ان يفاجأ زائر كوبا
بأن سائق التاكسي او نادل المطعم او موظف الاستقبال في الفندق، يعرفون
مثلا عن سياسة العالم، وعن الثقافة والفن والادب أكثر من الكثير من
شعوب العالم الاخرى.
الدعارة الممنوعة
«قم وارقص معي السالسا». تبتسم
يرسكا الخلاسية اللون الممشوقة الجسد. لا يهمها ان تقول ذلك أمام عشرات
الأجانب المتراقصين على النغم الكوبي الجميل. فللعلاقات الاجتماعية
والإنسانية والعاطفية هنا أبعاد قد لا تجد مثيلا لها في العالم. هنا
الناس يتحادثون. يتبادلون الرقص والأحاديث. وتطرب للموسيقى الجميلة دون
ان يكون خلف الأمر أي مخطط لكيفية «إنهاء السهرة».
ويرسكا موظفة في فندق، وحاملة
اجازتين واحدة بعلم النفس والثانية بالأدب، ولا يزيد راتبها الشهري عن
500 بيزوس. والبيزوس الكوبي جزءان، الاول غير قابل للصرف بالعملة
الاجنبية وهو مخصص لحصول الكوبيين على مأكولهم وبعض الاشياء البسيطة،
والثاني قابل للتبادل بالعملات الاجنبية. ويرسكا تقبض راتبها بالنوع
الاول، ما يعني عمليا ان ما تقبضه لا يزيد عن 20 دولارا، يضاف اليه
«الحافز» وهو تعبير مستحدث ويعني هدية شهرية تساوي 10 دولارات باتت
تقدم للموظفين منذ ان تحسنت قليلا الاوضاع الاقتصادية في الاعوام
الثلاثة الماضية.
كانت هذه الشابة الكوبية الجميلة
ترافق صديقتها المجالسة لرجل فليبيني تبدو عليه بعض مظاهر الغنى. قالت
ان صديقتها التي لم يتخط عمرها 27 عاما، تعرفت على الزائر الستيني منذ
فترة وانه يدعوهما بين حين وآخر الى عشاء فاخر في الخارج، او يقدم
لصديقتها بعض الهدايا التي لا تحلم بالحصول عليها من راتبها الكوبي.
لا توجد دعارة بالمعنى المتعارف
عليه في كوبا، وانما تمارس بعض الفتيات ما يوصف هنا بـ«كاباييرا».
والكلمة تعني بالعربية الخيالة او الفارسة او راكبة الخيل، بمعنى انها
تقبل مرافقة اجنبي الى الاماكن العامة فقط ذلك ان النظام الكوبي يمنع
دخول الكوبيين او الكوبيات الى غرف الفنادق او الاماكن المخصصة للاجانب
في سياق قمعه لكل اشكال الدعارة.
ومع ذلك، فالحرية كبيرة في سياق
التعارف، ذلك ان قلة الامكانيات المادية تجعل قسما لا بأس به من
الكوبيين والكوبيات، ينتظرون عند مفترقات الطرق وقارعاتها كي ينقلهم
احد بسيارته عن طريق «الاوتوستوب» لتفادي انتظار باصات النقل العام
وصعوبتها. وغالبا ما يرى زائر كوبا طوابير او جماعات من الناس يلوحون
بايديهم للسيارات. وهذه وسيلة تسمح بالتعارف السريع والتلاقي.
لكن التعارف ليس وحده الهدف.
فالتضامن واضح بين الكوبيين، ولا خوف من سارق او نشال او محتال، ذلك ان
كوبا تعتبر من أكثر دول أميركا اللاتينية أمنا، لا بل من اكثر دول
العالم أمنا، فالجريمة تكاد تكون معدومة حتى في الأحياء النائية
والمظلمة في الليل.
يتذكر الزائر شاعر الثورة والثائر
الكبير الذي قضى قتلا وهو يحرر بلاده خوسيه مارتي الذي قال يوما «راغب
أنا بتقاسم قدر الناس الأكثر بؤسا على الأرض، ويسعدني أنا هذا النهر
الجاري من الجبل أكثر مما يسعدني البحر».
ينتظر الكوبيون في محطات الباصات
وتحت الجسور وعند المفارق. ينتظرون سيارات تقلهم الى اماكن عملهم صباحا
والى المنازل مساء. وربما ينتــظرون أيضا معجزة اقتصادية تفسح في
المجال أمامهم لأن يصبحوا سعداء في البحبوحة بدلا من اختراع انماط
للسعادة في القلة.
معظم الكوبيين يعملون لصالح
الدولة، فكل شيء خاضع تقريبا هنا للقطاع العام، بما في ذلك الفنادق
والمطاعم والمنشآت السياحية. ولكن النظام سمح في السنوات الاخيرة لبعض
الكوبيين باقامة مطاعم في بيوتهم، تماما كما سمح بتبديل العملة المحلية
بالدولار اولا ثم اليورو. ويروي البعض عن شركات خاصة او مصارف وبينها
مصرف فرانسبنك (اللبناني
الفرنسي) الذي ينحصر عمله بتقديم قروض لبعض المشاريع.
ولأن الكوبيين يخترعون وسائل
سعادتهم يوما بعد يوم بانتظار فرج اقتصادي طال انتظاره، فليس غريبا على
زائر هافانا مثلا ان يشعر بخطوات تلاحقه في سوق الهدايا والتحف
واللوحات والأثريات. وما ان يستدير، حتى يقترب شاب منه سائلا بصوت خفيض
«أتريد سيجارا كوبيا اصيلا مع شهادة، اتريد تبغا، اتريد تصريف العملة».
تبدو كل هذه المحاولات نوعا من
عمل هواة او اناس اكتشفوا وسيلة للربح السريع منذ فترة قصيرة فقط، كتلك
السيدة الخمسينية العمر التي كانت تتبع السياح في سانفويغو مقترحة ان
يتبعوها الى المنزل حيث تعد لهم سلطة الفواكه وبعض اسماك السلطعون
وشيئا من مشروب «موهيتو» الشهير مقابل 20 دولارا تقريبا لثلاثة اشخاص.
حتى هذه المحاولات، لها نكهتها
الخاصة في كوبا، ذلك انها تمر بسلاسة وبشاشة بعيدا عن صور العصابات
والمافيات التي يمكن ان يراها المرء في دول اخرى. وبمجرد ان تقول للذين
يتبعونك في كوبا شكرا، او «غراثياس»
باللغة الاسبانية، حتى يعدل وجهة سيره
ويتركك وشأنك.
من غير الممكن معرفة ما اذا كان
الكوبيون حريصين على بقاء نظامهم الاشتراكي على حاله أم لا، فالضمانات
الكثيرة التي تؤمنها الدولة تجعل الكوبي اكثر اكتفاء وسعادة من الكثير
من نظرائه في دول الجوار في اميركا اللاتينية، ولكن «الحلم» الاقتصادي
الأميركي يبقى هو الأخر حاضرا عند البعض.
رعاية الدولة
يستطيع الكوبي ان يعتمد على
الدولة في الحصول على التعليم والاستشفاء وعلى قدر كاف من السكر والارز
والزيت والطحين وغيرها من المواد الغذائية اضافة الى الحليب والفواكه
المطبوخة للأطفال. فهو يشتري كل ذلك باثمان زهيدة وبالعملة الخاصة به
وغير القابلة للصرف. ولكنه لو شاء مثلا شراء الصابون او أشياء من هذا
القبيل فهو بحاجة الى البيزوس القابل للصرف.
هذه حسنات وسيئات النظام
الاشتراكي. فمن جهة يشعر الكوبي بأنه ليس بحاجة لتعب القلب والرأس
للحصول على قوت يومه وعلى حياة هادئة هانئة، ولكنه في الوقت ذاته لا
يستطيع ان يحقق احلاما كبيرة او ثروات تجعله قادرا على السفر والتمتع
بكماليات الحياة.
والمعروف تاريخيا، ان فيدل كاسترو
الذي بات اليوم رمزا لصمود آخر قلاع الاشتراكية والشيوعية في العالم،
لم يشأ ولم يعلن عن تبني الاشتراكية الا بعدما وصلت وقاحة الولايات
المتحدة الى حد إرسال مهاجرين كوبيين لقلب النظام عسكريا وقصف مواقع
كوبية، وذلك حين قررت الـ«سي آي ايه» اغتياله، فكان أن اعلن اشتراكية
الثورة في نيسان من العام .1961 وسبق ذلك اتفاقيات مع موسكو، خصوصا في
خلال واعقاب زيارة رئيس الوزراء السوفياتي أناستاس ميكويان في شباط
العام 1960 الى هافانا، حيث وقعت اتفاقيات تجارية هائلة وارسل خبراء
وتقنيين لتعويض من هاجر من الكوبيين، كما سبقها اقامة علاقات دبلوماسية
مع الصين في ايلول من العام ذاته.
كاريزماتية كاسترو..
وما بعدها
لا احد يجادل في كوبا حول
كاريزماتية فيدل كاستور وقدرته الهائلة على الهاب مشاعر الجماهير. ثم
ان المعارضة الحقيقية موجودة في ميامي في فلوريدا ولكنها فاقدة للكثير
من تأثيرها المعنوي، ذلك انها تشكل جزءا من مشروع سياسي أميركي مكروه
أصلا عند الكوبيين، ولذلك فان الحديث عن تغييرات جذرية بعد رحيل الرئيس
الكوبي يحمل الكثير من المغالاة.
يقال الكثير في هافانا عن الاعداد
لمرحلة ما بعد كاسترو، ذلك ان راوول، شقيق فيدل، بات قادرا على تحمل
المسؤولية. وهو أثبت ذلك خلال مرض الرئيس الكوبي، والحزب وضع خطة
متكاملة لمواجهة أي طارئ.
ولأن الأمن مهم تفاديا لأي
اختراقات اميركية، فمن الصعب مثلا ان يجد زائر كوبا حرية في استخدام
الانترنت في الفنادق. هي متوفرة لا شك، ولكنها محدودة جدا بحيث ان
استخدامها ينحصر بأمور عادية ومن غير الممكن الدخول الى كل المواقع او
إرسال اي شيء. وكذلك الهواتف النقالة، فهي غير متوفرة الا بالشكل
المحدود، بحيث أنها من الكماليات.
المعارضة العاجزة
الضرورات الأمنية لا تتطلب بطبيعة
الحال وجود الاف المعتقلين السياسيين. فعدد هؤلاء المعتقلين، محدود
جدا. وخلال زيارتنا الى كوبا، تم اطلاق سراح 9 معتقلين وفي مقدمهم
خوسية لويس غارثيا المعروف باسم «انطونيث» بعدما أمضى 17 عاما في السجن
لمجاهرته في احد التجمعات العامة بشتم سياسة كاسترو.
وهناك نوعان من المعارضة، الاولى
خارجية مرتبطة باميركا وفاقدة لقاعدة شعبية واسعة، والثانية داخلية
نجحت في العام 2003 اي بعيد الازمة الاقتصادية في جمع 25 الف توقيع
بغية اجراء استفتاء حول الحريات وعقدت مؤتمرا عاما، وذلك فيما كان
النظام يقوم في العام ذاته بسجن 75 معارضا واعدام 3 اشخاص بعد سرقتهم
لمركب بغية مغادرة الجزيرة (بحسب معلومات وزارة الخارجية الفرنسية).
المعارضة موجودة ولكنها غير قادرة
على التغيير. ويتندر الكوبيون بقصة لافتة في هذا السياق، حيث يذكرون
مثلا كيف ان كاسترو رفع أسعار المواد الغذائية في اليوم الأول، وما ان
بدأ الناس بالتذمر حتى جذب ملايين الكوبيين الى احتفال جماهيري شجبا
للحصار الاميركي. لعل أميركا قدمت على مدى السنوات الماضية افضل هدية
للنظام حتى ولو ان جور حصارها يضرب الناس وليس النظام.
وفي كل الأحوال، يبقى الاقتصاد
سيد الموقف. فالحياة في كوبا قد لا يضاهيها أي شيء في العالم،
والكوبيون واعون لذلك. ويقال الكثير عن اناس هاجروا الى ميامي وندموا،
فعلى الشواطئ الاميركية ينبذهم الاميركيون معتبرين انهم ياكلون قوتهم،
شانهم في ذلك شأن كل المهاجرين في العالم. ولكن الكوبي كغيره من ابناء
هذه المعمورة، يحلم برفاهية اقتصادية وحرية أوسع، وهذا ربما ما يدفع
البعض الى البحث عن بدائل خارج حدود الوطن حتى ولو ان هذه البدائل تصدم
غالبا من يهجر كوبا.
بدائل اقتصادية
نجح النظام الكوبي بشكل نسبي حتى
اليوم في تأمين بعض البدائل، بحيث ان النمو عاد الى البلاد منذ ايار
العام 2003 بفضل استئناف السياحة ورفع القيود عن العملات الاجنبية
والجهود الكبيرة في مجالات الطاقة وارتفاع اسعار النيكل والخدمات
الكثيرة التي تقدمها الدولة للمواطن. وتؤكد مصادر اقتصادية ودبلوماسية
فرنسية وغربية ان نسبة النمو تراوحت بين 5 و8 في المئة في السنوات
القليلة الماضية، بينما تشير السلطات الكوبية الى نسبة فاقت 11 في
المئة.
واذا ما استمر التعاون الوثيق مع
فنزويلا، واذا ما اســتمرت الدولة الكوبــية في تعــديل خططها
الاقتصــادية وتكييفها مع الحاجات الحالية، فيمكن الصــمود لفترة طويلة
خصوصا ان المعارضة لا تتمــتع بشـعبية او سمعة جيدة.
وبعد أيام قليلة على وصولنا الى
كوبا، عقدت قمة لدول اميركا اللاتينية في شمال فنزويلا. وكان الرئيس
هوغو تشافيز يعلن ان بلاده ترغب في توقيع اتفاقيات مع كوبا وبوليفيا
ونيكارغوا وهاييتي لكي تصبح المصدر الاول للطاقة لهذه الدول الاربع.
وقال تشافيز ان فنزويلا عازمة أيضا على توقيع اتفاقيات عديدة اخرى في
مجالات التربية والصحة والطاقة والصناعة.
لعل في محاولات اميركا اسقاط
تشافيز شيء من الحقد عليه بسبب مساعدته للاقتصاد الكوبي، وليس فقط لأنه
نجح مع غيره من «الرفاق» في أميركا اللاتينية في تمريغ انف النظام
الاميركي أكثر من مرة.
نجح كاسترو حتى الآن في الصمود ضد
الشمال الأميركي الجائر، ولكن هل ينجح من سيخلفه؟ ماذا عن المستقبل؟
وماذا عن الحصار الأميركي؟ واين أصبح تاريخ المناضل الوسيم والثائر
المتمرد الحالم بتصدير الثورة؟ أين أصبح تشي غيفارا في ذهن شعبه؟
جريدة السفير 03-05-2007