|
حـــج الـــى بـــلاد العـــم فيديـــل
غــوايات الجــزيرة السمراء
بقلم جمانة حدّاد
تتأرجح حياة الكوبيين اليومية بين حافتي اللهو والكفاح، اللذة
والتضحية. يرقصون طوال الليل على إيقاع تناقضاتهم المحمومة، ويكدون في
العمل نهارا" في سبيل تحصيل لقمة عيشهم الصعبة. يستقبلونك بابتسامات
ناصعة ويودّعونك بنظرات محيرة. عمليون في نظامهم وقوانينهم، وشعراء في
طقوسهم وعاداتهم ونبضهم. ديناميكيون دائمو الحركة رغم نوبات الكسل التي
تجتاحهم احيانا"، على غرار مناخهم الحار والرطب الذي يلتهب تارة وتصعقه
طورا" صفعة مطر فجائية. ودودون على كبرياء جذابة، واضحون على غموض مغو،
نساؤهم اقمار متوهجة ورجالهم شموس حارقة: إنهم اصدقائي رولاندو وكارمن
وارنستو وخوسيه واميليا، وغيرهم كثيرون ممن يعيدون اختراع الألوان
والظلال كل يوم في بلاد العم فيديل. وتسألون كيف يسعهم فعل هذا كله في
آن واحد؟ ذلك هو سر كوبا وسحرها اللذان يعجز العقل عن تفسيرهما، فلا
يسعه أمام هول الأغراء، سوى الإنقياد لرغبات الإكتشاف والإستسلام لفتنة
المرات الأولى.

علـــــى إيقـــــاع الغوانـتانا ميــــرا
لا يمكن الزائر ان يكون مستعدا" حقا" لما سوف يراه ويختبره في تلك
البلاد النائية، مهما قرأ من الكتب وأجرى من الأبحاث وطرح من الأسئلة
لكي يمهد الطريق أمام عينيه ووعيه وإدراكه. ففي ذلك المكان لا يجدي
المنطق بوصلة ولا المعرفة مرشدا" ولا الخيال مسبارا". جل ما يمكن فعله
هو التحلي بنهم حكيم وتلبية نداء الإنخطاف الى تلك الأجواء بغية ملامسة
روح المشهد والناس والثقافة والأشياء، والسعي الى فهم بعض ما يعاش
ويجري وراء ذلك الجدار الكثيف من الإختلافات والتناقضات والتباينات.
وقد يخيل للمرء للوهلة الأولى ان عجلة الزمن قد توقفت عن الدوران في
كوبا. فهناك في شوارع هافانا، سيارات يعود طرازها الى منتصف القرن
المنصرم، ومنازل متصدعة ذات بهاء حزين، وأجساد متمهلة تبرز وجوها"
هاربة، صامتة وصارخة على حد سواء.

كل ما تراه حولك تقريبا" في هذا العالم الغريب يثير فيك نوستالجيا
الماضي ويدفعك الى استخدام حواس مخدرة كنت تعودت التعويض عنها بغرائز
التكنولوجيا الإصطناعية: هندسة عريقة على شيء من التداعي النبيل، ايقاع
نشيط رغم بعض التباطؤ الشهواني، طبيعة رائعة تتزين بإهمال قدري، وسحنات
نارية لا تخلو ملامحها من شموخ بارد. لكأنك تتابع فيلما بالأبيض
والأسود من خلال نظارات ملونة، فيلم يصعب وصفه لشدة جماله، وقد سنحت لي
شخصيا" فرصة مشاهدته بفضل دعوتي الى المشاركة في رحلة تثقيفية نظمتها
كل من شركة الخطوط الجوية الفرنسية والسفارة الكوبية في لبنان، بغية
جعل بعض أسرار تلك البلاد في متناول اللبنانيين وترك بعضها الآخر رهينة
نزواتهم السياحية.
هكذا بدأت الرحلة. لقاء وجيز في مطار بيروت مع السفير الكوبي في لبنان
السيد انريكيه رومان هرناندز، فمحطة باريسية خاطفة، فالساعات العشر
التي تفصل مطار شارل ديغول عن مطار خوسيه مارتي في هافانا. كنا حلقة من
خمسة عشر شخصا" في الطائرة التي عبرات بنا أجواء الأطلسي. نحاول اغتيال
الوقت، كل على طريقته، بين الثرثرة والمزاح ولعب الورق والمطالعة
واستراق النوم. ورغم الجامع المشترك الرئيسي بيننا، بدت المقاصد
والإهتمامات شديدة التنوع والتباين : فمنا من كان مهتما" بالسيكار
الكوبي، وآخر بأدب البلاد وموسيقاها، وثالث بكيفية جذب السياح اليها،
وثمة أيضا" من كان يحلم بلقاء انسبائه الذين هاجروا الى الجزيرة منذ
وقت طويل وانقطعت أخبارهم عن لبنان. لكن ما ان ولجنا المدينة في ذلك
الليل الرطب، حتى نسينا غاياتنا وغرقنا دفعة واحدة في عالم جديد ومثير،
عالم يلتهمه جنون اللامبالاة من جهة ووحش العوز من جهة أخرى، والحياة
فيه احتفال وكفاح على حد سواء. وحين طالعنا صباح اليوم التالي بشمسه
المحرّضة وخرجنا الى المدينة ورحنا نجوب الشوارع والمحال والمقاهي
والساحات على ايقاع اغنية الغوانتاناميرا الشهيرة، بدت هافانا كأنها
تستقبل الضوء الساطع بشبق صارخ وتتحدى مصيرها، فوقعت صعقة الحب بيننا ،
وبدأ الحلم...

صديقــي رولانـــدو غونزاليــــس
قد لا يشكل الحديث عن تاريخ كوبا وحروبها ونضالاتها اي اضافة حقيقية
على صعيد المعلومات، فقلة هم الذين لم يسمعوا بتشي غيفارا وفيديل
كاسترو وخوسيه مارتي، بالثورة الكوبية وابطالها وشعاراتها، بنظام
البلاد الشيوعي وايديولوجياته وصراعه الطويل والمضني مع الولايات
المتحدة والرأسمالية. وصحيح كذلك ان عددا" كبيرا" من المشكلات التي
يعانيها الشعب اليوم ناجم عن أحداث هذا التاريخ المعاصر بالذات،
وتحديدا" عن طبيعة العلاقات السياسية الأميركية – الكوبية والخطر
الإقتصادي المفروض على الجزيرة. لكن رغم كثرة الصعوبات والمشقات التي
يواجهها الكوبيون، لا ينجح التشاؤم في التغلب على رغبتهم الجامحة في
التمتع بالحياة، ولا تحول العقبات التي تعترض طريقهم دون اجتراحهم
معجزة بعث الفرح من انقاضه بلا هوادة. وهنا تكمن احدى النقاط التي تميز
كوبا عن غيرها من بلدان اميركا اللاتينية، إذ انها تجمع ما بين متعوية
شعبها الفردية وتقشف نظامها الجماعي. وكنت قد رصدت ذلك بنفسي أثناء
جولتي في أحياء المدينة القديمة، لكن زاد من يقيني على هذا الصعيد كلام
أول صديق كوبي لي، واسمه رولاندو غونزاليس.
التقيت رولاندو في ظل شجرة نخيل مهيبة من أشجار حديقة البلازا دي
أرماس. كنت اغتنمت يومها فرصة انشغال أعضاء المجموعة بجولة في فنادق
المدينة، لكي اهيم على وجهي في الأزقة الضيقة وأتحسس جسد هافانا الساخن
بيدي وأتذوق نكهاتها من دون وسيط وأعريها شارعا" شارعا" بفضول عينيّ.
هكذا تمكنت من أن أتأمل على هواي المنازل القديمة التي تبدو كأنها
تتذكر وهج ماضيها العظيم بفناءاتها المضيئة وأعمدتها المشيقة. ثم
أذهلني مشهد الباصات المكتظة – أو "الجمال" كما يسمونها- التي تكاد
تصرخ من فرط الإختناق اذ يحمل كل " جمل" منها على متنه ما يزيد على
مئتي شخص في آن واحد بسبب مشكلات النقل وندرة السيارات والنقص في
النفط، كما زرت سوق البراغيث حيث تباع السلع القديمة والرخيصة وأعمال
الأرتيزانا والتذكارات على أنواعها وحيث ينبض قلب المدينة الشعبي، ومن
هناك انتقلت الى جولة في بعض القصور والنصب التذكارية والكاتدرائيات
والقلاع والمتاحف التي تكثر في العاصمة، ومنها كاتدرائية سان كريستوبال
والمتحف الوطني للفن المعاصر ومتحف ويلفريدولام الذي يعتبر من أهم
الرسامين الكوبيين في القرن العشرين، بالإضافة الى المنزل الذي شهد
ولادة الشاعر خوسيه مارتي وهو بطل قومي من أبطال الإستقلال الكوبي وأحد
رواد المدرسة الحديثة في شعر أميركا اللاتينية.

... مرارا" ضللتُ طريقي في متاهة الشوارع، لكن كان ينبغي لي أن أتيه في
هافانا لكي أكتشف كم للتيه فيها مذاق خاص، هو مزيج من الإثارة
والطمأنينة، من صخب الواقع وبدايات الحلم، من الشفافية والغموض، من
الإنحناء والشموخ، من الشمس التي تغازل والشمس التي تجرح. وهو أيضا"،
وخصوصا"، طعم البحر الذي أعدتُ اكتشافه هناك وكأنني أراه للمرة الأولى.
أخيرا" قادتني مصادفات السير بلا هدف الى سوق الكتب المستعملة في
البلازا دي أرماس، حيث استوقفتني على أحد الرفوف الطبعة الأولى من كتاب
" مئة عام من العزلة" لماركيز. فما كان من رولاندو، البائع المسنّ ذي
النظرة الثاقبة والإبتسامة الحنونة، إلا ان بادرني بالتحية وراح يسألني
عن موطني ويستفهم عن سبب زيارتي وعن انطباعاتي الكوبية. اشتريت منه
النسخة، فأهداني كتابا" عن سيرة غيفارا، ثم آخر عن تاريخ كوبا، فثالثا"
عن موسيقى الرون، وكرّت سبحة الهدايا والأحاديث. ثم أجلسني قربه على
مقعد خشبي قديم، وحدّثني عن ماضي الجزيرة وحاضرها، عن جمال بلاده
وتعقيدات العيش فيها، عن حب الناس الهائل للحياة وتفاؤلهم الأقوى من
سكين اليأس، وكيف تطمس العتمة الضوء أحيانا" رغم الأفق المفتوح من
الجهات الأربع، وكم يجد هو شخصيا" عزاء كبيرا" في قراءة الكتب التي بات
يعرف معظمها غيبا". حدّثني رولاندو أيضا" عن كافكا وبروست فأدهشني ثم
عن ارنست همنغواي الذي وقع أسير سحر كوبا فأمضى فيها ما يزيد على 20
عاما" من حياته.
وأخيرا" اصطحبني الى مكتبة مجاورة حيث عرّفني الى الأدب الكوبي المعاصر
وساعدني في اختيار مجموعة من المؤلفات لكبار الروائيين والشعراء
الكوبيين على غرار أليخو كاربنتييه وسيريلو فيلا فردي وخوسيه مارتي
ونيكولاس غيّين وميغيل بارنيه وغيرهم.

حين ودعت صديقي رولاندو غونزاليس وعدت أدراجي الى الفندق، كنت أحمل ما
يعادل وزني تقريبا" من الكتب، لكني شعرت اني خفيفة كمطر صيفي لأن قلبي
كسب أول ذكرى طيبة له عن شعب هذا البلد. وهي لن تكون الأخيرة.
إبـــــن العــم أنريكيــه
خلال الأيام التالية كانت تنتظرنا مفاجآت كثيرة، ومنها أن احد رفاقنا
في الرحلة تمكّن من العثور على إبن عمه – أنريكيه – بعد جهد جهيد،
مستعينا" ببعض الصور القديمة وعنوان مكتوب على ورقة شبه مهترئة غزاها
اصفرار الزمن. أما العمّ الدلبتاوي فقد هاجر الى كوبا عام 1917 في سن
السادسة عشرة وانقطعت أخباره عن أسرته في لبنان منذ أوائل الستينات.
كان مشهد اللقاء مؤثرا" حقا"، حتى بالنسبة الى حشد الجيران والأصحاب
الذين تهافتوا الى منزل انريكيه لحظة شيوع الخبر – الحدث. تدافع جميع
الناطقين منّا باللغة الإسبانية الى كسر حاجز اللغة بين القريبين ،
فكان حديث وبوح وود وحنين، ووعد بدعوة انسبائنا الكوبيين الى تفقد
جذورهم اللبنانية قريبا".
ومما اكتشفناه ايضا" خلال تجوالنا في المناطق المختلفة ان التسوّل يطرح
مشكلة متأزمة في كوبا، ومثله الدعارة المنتشرة على نطاق واسع، رغم كون
النشاطين المذكورين مخالفين للقانون ويعاقبان بالسجن. لكن لفتنا في
المقابل تمتع البلاد بنسبة عالية من الأمان، إذ يمكن المرء أن يتجوّل
ليلا" في أحيائها من دون أن تنطوي مبادرة مماثلة على أخطار جسيمة. وقد
لفتنا بالقدر نفسه، على مستوى السلوك الحضاري، ان الشعب الكوبي نبذ
عادة تعليق صور زعمائه على الطرق، لا بل تخلى عنها على نحو شبه كلي
واستبدلها بلافتات تحمل شعارات وطنية وأقوالا" مأثورة لأبطاله، فكانت
له منا بالإجماع تحية إعجاب وتقدير، لتفضيله طغيان الكلمة والمعنى
والمضمون الغني على ديكتاتورية الصورة والشكل والمظاهر الفارغة...
ومما تضمنته كذلك جولتنا السياحية، نزهة الى مقاطعة بينار ديل ريو حيث
أسرتنا فتنة منطقة فينيالس بمشهديتها الساحرة ومغاراتها الأخاذة
وهضابها ذات المنحنيات الشهوانية ورومنطيقيتها الصاعقة التي زادها
جمالا" وتناغما" تزامن هطول المطر مع زيارتنا. كما تعرّفنا بلمحة خاطفة
الى مدينتي سيينفويغوس وترينيداد اللتين تعبقان بروح البلاد وأساطيرها
وطقوسها وتشهد أجواؤهما على التاريخ الإستعماري الإسباني للجزيرة.
أما في ما يتعلق بمغامراتنا مع السيكار الكوبي، فحّدث ولا حرج. إذ لم
يتوان البعض عن اتخاذ مجازفات مثيرة على طريقة جيمس بوند بغية شراء علب
من السوق السوداء بأسعار زهيدة مقارنة بالثمن الأصلي! وأخيرا" كانت لنا
إقامة وإستراحة في أحد منتجعات منطقة فاراديرو السياحية في مقاطعة
ماتنساس التي تسمى أرض الشعراء أو أثينا الكوبية. وهناك، على شاطئ
الأطلسي، وطدّنا أواصر المعرفة والصداقة بين أجسادنا والشمس شبه
الإستوائية، فكان الحصاد... حروقا" وأوجاعا" وأرقا"، يشفع بها أنها ثمن
لون برونزي كان لا بد منه ليكتمل نصاب الحلم!
بيـــن البـــلل والإحتــــراق
ما ان نغادر الأراضي الكوبية حتى نكتشف كم جعلت منّا تلك البلاد كائنات
جديدة، او على الأصح كم من الوجوه اضافت الى وجوهنا المتعددة. ندرك كم
كنّا مستقيلين من روابطنا كلها تقريبا" في هذا المكان البعيد : فهناك،
حيث لا يعرفنا أحد، ننقطع عن روتيننا اليومي، عن استبداد الوقت، عن
عملنا أيضا" وعن الجري وراء اوهامنا خصوصا". هناك نخرج من الرتابة الى
الدهشة. نعبر الى الضفة الأخرى من العالم، بل الى الضفة الأخرى من
ذواتنا. نشعر بأننا خفيّون وخفيفون، محررون من كل معلوماتنا وتجاربنا
وأحلامنا السابقة. يغمرنا فيض هائل من المشاهد الغريبة التي لم نكن
نتخيل وجودها، فنرتعش كعصافير وجدت لنفسها فضاء يتسع لرغباتها في
الإنعتاق. في تلك الجزيرة المتلألئة كشهوة تحرق جسد الأطلسي السائل،
ثمة أرض مجهولة تدعونا الى الوقوع في حبها بإلحاح ودلال، وشواطئ
فردوسية تؤلم العينين لفرط جمالها وشاعريتها. ثمة مغيب ينزل ببطء لذيذ
كقصيدة عشق، وأشجار اطلقت سراح جذورها لتناجي السماء. ثمة أيضا" حضارة
عريقة وثقافة غنية، وثمة خصوصا" أناس يخترقون عتمة الموت والجمود بحبهم
للحياة، وإذ يتمايلون بين حدّي الإنتماء القدري لواقعهم والحرية
المطلقة، يخدّرون أوجاعهم بنشوة الرقص ويتشبثون بالليل ليكون مأوى
لأحلامهم الكبيرة.
وعلى غرار الليل الكوبي وأهله الغارقين في لجة الكسل واللذة، آثرت
الطائرة التي اقلعت بنا تحت جنح الظلمة ان تفارق الجزيرة السمراء على
ايقاع النجوم الساهرة، تاركة لشمس الكوبيين ان تشهد وحدها لجروح
النهارات المتباطئة مرددة على مسامعنا كلمات الشاعر نيكولاس غييّن:
" أنت الذي يرحل عن كوبا
أجبني
أين ستجد كاخضرارها اخضرارا"
كزرقتها زرقة"
كنخيلها نخيلا" تحت السماء؟
أجبني ".
عن جريدة النهار
عدد
11-6-2002
 |