مقالات
مختلفة

  

English Français Español
سياسة > مقالات

 بحث حول كوبا من اعداد السيد رولان زغيب

 

التصميم:
المقدمة
الفصل الأول: لمحة عامة عن كوبا
الفقرة الأولى: الموقع
الفقرة الثانية: الطبيعة والمناخ
الفقرة الثالثة: لمحة تاريخية
الفقرة الرابعة: فكرة مقتضبة عن قاعدة غوانتانامو البحرية

الفصل الثاني: كوبا ما بعد ثورة 1959
الفقرة الأولى: الأحداث السياسية والنظام السياسي
الفقرة الثانية: حقوق الإنسان في كوبا
الفقرة الثالثة: حالة الاقتصاد في كوبا
الفقرة الرابعة: كوبا في المجال العلمي
الخاتمة

مقدمة:

إن المجتمعات البشرية قد مرّت عبر العصور بمراحل متشابهة فيما بينها من حيث الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فكل مجتمع كانت له عاداته وتقاليده ونمط حياة ينفرد بها عن باقي المجتمعات. وبمجمل الأحوال، ان المجتمعات البشرية كانت تعيش حياة بدائية. ثم مع مرور الزمن أخذت البشرية تتطور وتتسابق في ميادين الحياة.

وربما كان المناخ الطبيعي أو الموقع الجغرافي الحافز الأول لهذا التقدم. ومن هنا صار التسابق في ميدان الاختراعات لإظهار كل دولة تفوقها على جارتها. من هذه الدول من حالفها الحظ وقفزت بسرعة إلى الواجهة بينما بعض الدول تعثّرت في تقدّمها وبقيت تجرّ ذيول الخيبة وتتقهقر إما لظروف خارجة عن إرادتها وإما لسوء إدارة حكامها. فبرزت في هذه الدول الفوضى ثم تلتها الثورات لقلب النظام السياسي فيها وتبديل الحكام. وغالبًا ما كانت الدول "المتقدمة" تساعد الثوّار لا حبًا بنجاحهم وإنما لكي تستميلهم إليها وتفرض سلطتها عليهم ثم ما تلبث أن تحلّ محلّهم وتستعمر البلاد التي كانوا يحكمونها.

إن البلدان النامية بعد جلاء الاستعمار عنها، أخذت تتلمّس طريق التقدّم والحداثة.

إن الحداثة تتجلّى بشكلٍ أساسي في وجود الحريات العامة وفي ممارسة الانسان لحقوقه وفي ازدهار الاقتصاد إضافة إلى مستوى علمي وتقني رفيع.

وإن كوبا قد مرّت كسواها من الدول النامية في مرحلة الاستعمار وكان نظامها يهتزّ من فترة إلى أخرى بسبب التدخل الأجنبي فيه. والغاية من هذا التدخل هو التسلّل إلى مراكز الدولة ومراقبتها لكي تبقي ذلك النظام تحت سيطرتها .

في بحثنا هذا، ندرس حالة كوبا فنتساءل: هل إن كوبا بعد جلاء الاستعمار عنها تتوفر فيها عناصر الحداثة التي أتينا على ذكرها؟

 

الفصل الأول: لمحة عامة عن كوبا

الفقرة الأولى: الموقع

تقع كوبا في البحر الكاريبي، على مدخل خليج المكسيك على بعد 77 كلم شرقي هايتي و140 كلم شمالي الجماييك. يحيطها شمالاً مضيق فلوريدا، شرقًا المحيط الأطلسي وجنوبًا البحر الكاريبي وغربًا مضيق يوكاتان.

وهي تتألف من عدّة جزر من جزر الأنتيل أبرزها جزيرتا كوبا والشباب إضافة إلى 4195 جزيرة صغيرة تحيط جزيرة كوبا الرئيسية. تبلغ مساحة كوبا حوالي 114 ألف كلم2 يعيش فيها حوالي 11120000 نسمة وعاصمتها مدينة هافانا.

الفقرة الثانية: الطبيعة والمناخ

تمتد جزيرة كوبا على طول 1200 كلم وعرضها لا يتجاوز 191 كلم وهي بالاجمال مسطّحة باستثناء بعض المناطق مثل جبال اسكامبراي 1140م ومرتفعات ترينيداد في وسط البلاد، بالاضافة إلى مرتفعات لوس أورغانوس في الجزء الغربي وخصوصًا مرتفعات ماييسترا في الجنوب الشرقي حيث يبلغ ارتفاع اعلى قمّة فيها 2005 م. (قمّة توركينو).

يتألف ثمانون بالمئة من أقليم الدولة من سهول ذات تربة طينيّة كما أنّ الشاطئ الشمالي ذو طبيعة صخرية متعوّجة والشاطئ الجنوبي واطئ تكثر فيه المستنقعات.

وعلى امتداد الساحل، تظهر الخلجان والرؤوس التي تشكل المرافئ الطبيعية:

هافانا، كارديناس، بهيّاأوندا، ماتانزاس ونويفيتاس على الشاطئ الشمالي، غوانتانامو، سانتياغو دي كوبا، سيينفويغوس وترينيداد على الشاطئ الجنوبي.

وتتميّز كوبا أيضًا بكثرة المغاور الكلسية فيها. تحتوي الجزيرة على أكثر من مائتي نهر أطولها نهر ريو كاوتو 240 كلم الذي يصبّ في جنوبي- شرقي خليج "غواكانايابو" وهو صالح للملاحة.

إن مناخ كوبا هو مداري ورطب. ويبلغ معدّل الحرارة عشرين درجة مئوية في كانون الثاني (شهر جاف ومعتدل) ويصل إلى 27 درجة مئوية في تموز (شهر حار ورطب). كما يمتد فصل الأمطار من شهر أيار حتى شهر تشرين الأول. ويتجاوز المعدّل السنوي للأمطار 1320مم. و تهب أحيانًا أعاصير عنيفة في الجزيرة.

تتميّز أرض كوبا بخصوبتها وبتنوّع النباتات فيها حيث يمكن إحصاء حوالي 8000 نوعًا من النبات كما يوجد في الجزء الشرقي من الجزيرة المشجّر بكثافة حوالي ثلاثين نوعًا من أشجار النخيل والصنوبر وأشجار الأكاجو والأرز. كذلك يوجد في كوبا أنواع عديدة من الحيوانات حيث يمكن إحصاء حوالي 342 نوعًا من الطيور إضافة إلى 700 نوعًا من الثمار البحرية.

الفقرة الثالثة: لمحة تاريخية

في 28 تشرين الأول 1492 تمّ اكتشاف كوبا من قبل كريستوف كولمبس أثناء رحلته الأولى إلى ما كان يعتقده بلاد الهند. وكان يقطن الجزيرة آنذاك حوالي مائة ألف هندي أمريكي. وقد سمّيت الجزيرة "كوبا" نسبة لاسمها الأصلي (الهندي- الأميركي) "كوباناسكان".

بدأ الاستعمار الاسباني لكوبا عام 1511 بقيادة دييغو فيلاسكيز دي كويلار الذي عُيّن حاكمًا على الجزيرة والذي أسّس مدن باراكوا، سنتياغو دي كوبا (عام 1514) وهافانا (1519). في أقلّ من خمسة أعوام، أصبح عدد السكان الأصليين يناهز بضعة مئات الأشخاص بعدما تمّ القضاء عليهم بطريقة منهجية.

إن كوبا كانت تحتوي على ثروات هائلة من الذهب سرعان ما نفذت إذ كانت تشكّل قاعدة لتموين الحملات الاسبانية على المكسيك وباناما.

بعد نفاذ الذهب، شجّعت الادارة المحلية نشاطات اقتصادية جديدة. فقد ازدهرت زراعات التبغ وقصب السكر بفضل الافريقيين الذين استقدموا إلى الجزيرة كعبيد. كذلك نشطت الحركة التجارية إذ أن الجزيرة تشكّل واجهة أمامية لقارة أمريكا على طريق أوروبا.

وبعد حرب السبعة أعوام، شجعت الحكومة الاسبانية الانتشار التجاري والتنمية الزراعية، خصوصًا بفضل الانفتاح على الخارج. فازداد عدد السكان وعرفت المنتوجات الكوبية بعد عام 1791 إقبالاً كبيرًا في الأسواق الأوروبية وذلك بعد أن أتلفت حركة التمرّد في هايتي المزروعات الفرنسية في سانتودومينغو.

منذ بداية القرن التاسع عشر، بدأ الشعور القومي يصحو في نفوس الكوبيين. وفي عام 1880، ألغي نظام الرّق وأعلنت المساواة بين البيض والسود عام 1893.

وفي شباط من العام 1895، اندلعت الثورة في كوبا بقيادة خوسيه مارتي. وفي نيسان 1898، تدخلت الولايات المتحدة التي كانت تسيطر على تجارة السكر في كوبا إلى جانب الثوار معلنة بذلك بداية الحرب الاسبانية- الأميركية. ويرجع سببها المباشر إلى خسارة السفينة الأميركية "مين" والتي اعتبرت الحكومة الأميركية بأن القوات الاسبانية قد قصفتها.

وفي 10 كانون الأول 1898، أبرمت معاهدة باريس التي وضعت حدًّا للنزاع والتي تخلّت اسبانيا بموجبها عن سيادتها على الجزيرة لصالح الولايات المتحدة. فشكّلت هذه الأخيرة حكومة عسكرية. وفي 20 أيار 1902، أعلنت الجمهورية رسميًا في كوبا وقد تضمن دستورها تعديل "بلات" الذي منح الولايات المتحدة حق التدخّل في الشؤون الداخلية لكوبا وحق إقامة قاعدتين بحريتين فيها.

عرفت كوبا فترة عدم استقرار سياسي واجتماعي دامت ما يناهز الستين عامًا وقد تميّزت بسيطرة الولايات المتحدة الكاملة على القرار السياسي لكوبا وعلى اقتصادها.

ففي الخمسينات من القرن الماضي أي عهد باتيستا، كان الأميركيون يسيطرون على 90% من مناجم النيكل والأراضي الزراعية وعلى 80% من المرافق العامة وعلى 50% من السكك الحديدية كما كانوا يسيطرون مع الانكليز على صناعة النفط بأكملها.

إزاء هذا الوضع المهترئ، شكّل بعض المثقفين معارضة قادها المحامي الشاب فيدل كاسترو الذي تمّ أسره عام 1953 إثر محاولة إنقلابية فاشلة. وبعد الانتخابات الشكلية التي حصلت عام 1954 والتي أسفرت عن التجديد لحكم الدكتاتور باتيستا، أصدر هذا الأخير عفوًا خاصًا عن السجناء السياسيين ومن بينهم كاسترو الذي توجّه إلى المكسيك.

وفي الثاني من كانون الأول من العام 1956، عاد كاسترو إلى كوبا وقاد الثورة على ذاك النظام الفاسد في بلاده وهذه المرّة بمعاونة حليفه الثائر الأرجنتيني، الطبيب الشاب أرنستو تشي غيفارا. وقد أدّت هذه الثورة إلى هزيمة باتيستا في الأول من كانون الثاني عام 1959. ففتحت الثورة الكوبية صفحة جديدة في تاريخ كوبا الحديثة.

الفقرة الرابعة: فكرة مقتضبة عن قاعدة غوانتانامو البحرية

إنّ جزءًا من أقليم كوبا يقع تحت سيطرة الولايات المتحدة هو قاعدة غوانتانامو البحرية. فهذه القاعدة هي منشأة تقع في منطقة تبلغ مساحتها 117.5 كلم مربّع من الأراضي الوطنية الكوبية، وتمّ احتلالها عام 1903. جاء ذلك نتيجة معاهدة خاصة بمحطات التزويد بالفحم والمحطات البحرية وقّعت بين حكومة الولايات المتحدة وكوبا، برئاسة توماس إسترادا بالما، وذلك في ظروف لم تكن فيه كوبا تتمتّع عمليًا بأي استقلال، انطلاقًا من فرض تعديل أقرّه كونغرس الولايات المتحدة ووقّعه الرئيس الأميركي ماكينلي في شهر آذار من عام 1901 وعُرِف باسم تعديل بلات، في وقت كانت كوبا تخضع فيه لاحتلال جيش الولايات المتحدة بعد تدخّل هذا الأخير في حرب الاستقلال التي خاضها الشعب الكوبي ضد الدولة الاسبانية المستعمِرة.

منح ذلك التعديل الحق للولايات المتحدة بالتدخل في كوبا، وتم فرضه على نص الميثاق الدستوري في عام 1902 كشرط لانسحاب قوات الولايات المتحدة من الأراضي الكوبية. وبموجب تلك المادة تمّ توقيع المعاهدة المذكورة في شباط 1903 في هافانا أولاً ثم في وشنطن، وكانت في الواقع تشمل منطقتين من الأراضي الكوبية: باهيا اوندا وغوانتانامو، مع أنّ الأمر لم يصل أبدًا لاقامة قاعدة بحرية في المكان الأول.

المادة الثانية من تلك المعاهدة تنص حرفيًا على الحق "بفعل كلّ ما هو ضروري من أجل جعل المكانين المذكورين في ظروف لاستخدامهما كمحطات للتزويد بالفحم أو كمحطات بحرية حصرًا وليس لأي غرض آخر".

إضافة لهذه المعاهدة الموقعة في شباط عام 1903، تمّ في 22 أيار من السنة نفسها توقيعالمعاهدة الدائمة للعلاقات بين كوبا والولايات المتحدة، والتي تمّ فيها أخذ مواد تعديل "بلات" الثمانية حرفيًا وتحويلها إلى مواد للمعاهدة.

بعد ذلك بواحد وعشرين سنة، في التاسع والعشرين من أيار 1934، وانطلاقًا من روح سياسة "حسن الجوار" الأميركية، في ظل رئاسة فرنكلين ديلانو روزفلت، تمّ توقيع معاهدة جديدة للعلاقات بين جمهورية كوبا والولايات المتحدة الأميركية تلغي المعاهدة الموقعة عام 1903، وبذلك تلغي تعديل "بلات" أيضًا. وفي هذه المعاهدة الجديدة أيضًا، استبعدت باهياأوندا نهائيًا وتمّت المحافظة على بقاء قاعدة غوانتانامو البحرية وسريان مفعول النظم التي تحكم ذلك.

في ما يتعلق بتلك النظم التي بقيت سارية المفعول، نصّت المادة الثالثة من المعاهدة حرفيًا: "ما دام الطرفان المتعاقدان لم يتوصلا إلى اتفاق بشأن تعديل أو إلغاء نصوص المعاهدة الموقعة من قبل كل من رئيس جمهورية كوبا في 16 شباط 1903 ورئيس الولايات المتحدة الأميركية في الثالث والعشرين من ذات الشهر والسنة، بصدد تأجير أراضي في كوبا للولايات المتحدة من أجل إقامة محطات للتزويد بالفحم أو بحرية، تبقى نصوص هذه المعاهدة سارية المفعول بشأن محطة غوانتانامو البحرية. وفيما يتعلق بهذه القاعدة، يظل ساريًا أيضًا بذات الأشكال والظروف التعديل الإضافي المتعلق بالمحطات البحرية أو الخاصة بتزويد الفحم، المنجز بين الحكومتين في الثاني من تموز 1903.

ما دامت الولايات المتحدة الأميركية لم تتخلّ عن محطة غوانتانامو تلك أو ما دامت الحكومتان لم تتفقا على تعديل لحدودها الحالية، تواصل شغلها للمساحة التي تشغلها الآن، بحدودها القائمة عند توقيع المعاهدة الحالية."

كدليل على الشروط المجحفة لتلك المعاهدة، نصّ التعديل الإضافي على أن تدفع الولايات المتحدة لجمهورية كوبا كبدل استئجار 117.6 كلم2 أي 11760 هكتارًا تشمل جزءًا كبيرًا من أحد أفضل خلجان البلاد – مبلغ ألفي دولار سنويًا، ويصل في الوقت الراهن 4085 دولارًا أي 34.7 سنتًا للهكتار الواحد- تدفع بصكوك سنوية رفضت كوبا وما تزال قبضها، وذلك من منطلق الحد الأساسي من الكرامة ولعدم اتفاقها مع ما يحدث لهذا الجزء من الأراضي الكوبية. وتجدر الإشارة إلى أن الصكوك موجهة إلى أمين صندوق جمهورية كوبا وهو منصب لم يعد له وجود منذ زمن طويل!!!

عندما انتصرت الثورة في كوبا، تحوّلت هذه القاعدة إلى مسبّب للعديد من الخلافات بين كوبا والولايات المتحدة. إنّ الأغلبية الساحقة من الثلاثة آلاف عامل كوبي الذين كانوا يعملون في تلك القاعدة تمّ طردهم من أماكن عملهم واستبدالهم بعمال من بلدان أخرى ولم يبقَ هناك اليوم سوى عشرة عمال كوبيين.

أخيرًا، إن هذه القاعدة البحرية أصبحت معروفة من الجميع وذلك لأن الولايات المتحدة تستعملها حاليًا كسجن لأتباع تنظيم القاعدة المتهمة بارتكاب العمل الارهابي الذي وقع في 11 أيلول 2001.

 

 

الفصل الثاني: كوبا ما بعد ثورة 1959

الفقرة الأولى: الأحداث السياسية والنظام السياسي

منذ اليوم الأول لتسلّمه زمام السلطة في كوبا، باشر كاسترو بإصلاحات على كل المستويات. فأمّم الأراضي التي يسيطر عليها الأميريكيون لإقامة نظام إصلاح زراعي.

كذلك أمّم صناعات السكّر والنفط ووضع برامج لتحسين مستوى التعليم والصحة العامة أدّت فيما بعد إلى نتائج إيجابية.

وفي تشرين الأول 1960، فرضت وشنطن على الجزيرة حصارًا تجاريًا. فانقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؛

في كانون الثاني 1961. وفي 17 نيسان من العام نفسه تمّ إنزال فرقة كوماندو من الكوبيين المهاجرين إلى الولايات المتحدة في خليج الخنازير في جنوب الجزيرة وبتحريض من الولايات المتحدة بهدف قلب النظام. غير أن تلك المحاولة باءت بالفشل.

وفي 14 تشرين الأول 1962، وقعت أزمة الصواريخ في كوبا التي حلّت في ما بعد باتفاق سوفياتي- أميركي قضى بسحب الصواريخ السوفياتية من كوبا.

ومنذ ذلك الحين، استمرّت الولايات المتحدة بحربها الاقتصادية ضدّ كوبا وتتوّجت أخيرًا عام 1996 بإصدار قانون هلمس- بيرتون الذي يعاقب الشركات الأجنبية التي تستثمر في الجزيرة.

هذا القانون هو فريد من نوعه إذ أنه يتميّز بكونه قانونًا يطبّق خارج إقليم الدولة التي أصدرته وهو بالتالي قانون تعسّفي غير عادل.

إن المؤسسات السياسية في كوبا محددة في دستور البلاد الصادر عام 1976 الذي يعرّف الدولة على أنّها "دولة إشتراكية للعمّال والفلاحين حيث أنّ السلطات فيها هي ملك لطبقة البروليتاريا". فالسلطة التشريعية تمارسها الجمعية الوطنية الشعبية التي تضمّ 589 عضوًا منتخبًا لمدة خمس سنوات بالاقتراع العام والتي تعقد دورتين سنويتين وتنتخب مجلس الشورى. ويتألّف هذا الأخير من رئيس وستة نواب رئيس وأمين سرّ كما تنتخب الجمعية مجلس الوزراء، الجسم الإداري الرئيسي.

وتقسم كوبا إلى 14 مقاطعة التي تنقسم بدورها إلى 169 بلدية ولكلّ بلدية جمعية تنتخب الهيئات التنفيذية، كما أنّ لكلّ مقاطعة جمعية تنتخب هيئة تنفيذية خاصة بها باستثناء جزيرة الشباب التي تدار مباشرة من قبل الحكومة المركزية.

الفقرة الثانية: حقوق الإنسان في كوبا

إنّ ممارسة حقوق الإنسان والتي تتعلّق مباشرة بتطور المؤسسات الدمقراطية الاشتراكية، هي مكرّسة في العمل التشريعي والذي يبدأ في الدستور الاشتراكي وصولاً إلى مناقشة وتصديق القوانين المكملة العديدة.

إنّ إحدى أبرز مهمّات الدولة الاشتراكية الكوبية هي ضمان وحماية حقوق وواجبات المواطنين. تنصّ المادة الثامنة من الدستور في فقرتها الأولى على أن الدولة الاشتراكية "تضمن حرية وكرامة الانسان، وتمتّعه بحقوقه وممارسته لواجباته وتنفيذها والنمو الكامل لشخصيته". كما يعدّد الدستور الحقوق والواجبات الأساسية وضمانات ممارستها كما يذكر المبادئ الدستورية الضرورية لذلك.

ومن هذه الحقوق الدستورية، نذكر تعادل الحقوق والواجبات (المادة 40)، الحق في العمل (المادة 44)، الحق في الراحة والضمان الاجتماعي (المواد 45، 46 و47)، الحق في الحماية الصحية (المادتان 48 و49)، الحق في التعليم (المادة 50)، الحق في التربية الرياضية (المادة 51)، الحق في حرية التعبير والصحافة (المادة 52)، حقوق التجمّع، التظاهر وتأليف الجمعيات (المادة 53)، حرية المعتقد (المادة 54)، الحق في حرمة المنزل والمراسلات (المادتان 55 و56) والحرية الشخصية (المادة 57).

إن جميع هذه المبادئ مطبّقة في الحياة اليومية.

إنّ قانون العقوبات في كوبا يعاقب كلّ إنسان يثير النعرات العنصرية، فاعلاً كان أم محرّضًا، أو يؤذي شخصًا بسبب جنسه أو عرقه أو لونه أو أصله أو يمنعه للأسباب عينها من الممارسة والتمتع بالحقوق المنصوص عليها في الدستور. ويحكم عليه بالحبس ما بين ستة أشهر وثلاث سنوات أو بالغرامة ما بين مائتين وخمسماية بيزوس أو بالعقوبتين معًا.

تنص المادة 42 من الدستور على أنّ لجميع المواطنين بمختلف أعراقهم وألوانهم وأصولهم الحق في تولّي أي منصب أو وظيفة في الإدارات الرسمية.

كما يمكنهم الوصول إلى أي مرتبة في القوات الثورية المسلّحة وفي قوى الأمن والشرطة، كما يتقاضون أجورًا متساوية لنفس الأعمال التي يقومون بها، ويستفيدون من التعليم في جميع المؤسسات الدراسية في البلاد ويحصلون على العناية الطبية في جميع المستشفيات، ولهم حقّ السكن في أيّة مقاطعة أو منطقة من المدن والنزول في أي فندق كان، ويستفيدون من خدمات مختلف المرافق العامة ويستخدمون من أي تمييز وسائل النقل البحري والجوي والبري وسكك الحديد ويتمتّعون بمختلف تسهيلات الراحة.

وتجدر الإشارة إلى أنه عند انتصار الثورة في كوبا، كان عدد العاطلين عن العمل يقدر بسبعماية ألف شخص. إن الحكومة الثورية أخذت فورًا على عاتقها مهمّة إيجاد فرص عمل جديدة بهدف التوصل إلى إلغاء البطالة.

إن السياسة الاجتماعية التي اتبعت تهدف إلى تثبيت أجور العمال بحيث ان لا ينخفض الأجر عن الحد الأدنى الضروري لتغطية الحاجات الحياتية الملحّة.

ومن الحريات الأساسية المعترف بها في الدستور الاشتراكي نذكر حرية المعتقد حيث أنه بموجب المادة 54 من الدستور يقع على عاتق الدولة الاعتراف بحرية المعتقد وحمايتها:

"إن الدولة الاشتراكية التي تقوم على مبدأ المادية العلمية للكون، تعترف وتضمن حرية المعتقد وحق كلّ فرد بالإيمان بأي معتقد ديني وبممارسة شعائره ضمن حدود القانون."

وإكمالاً لهذا النص، فإن قانون العقوبات في كوبا ينص على أن "كل شخص يعرقل أو يبلبل اجتماعًا عامًا أو احتفالاً دينيًا منعقدًا وفقًا لأحكام القانون يعاقب بالحبس من ثلاثة إلى تسعة أشهر أو بالغرامة من مائة إلى مائتين وسبعين بيزو أو بالعقوبتين معًا".

الفقرة الثالثة: حالة الاقتصاد في كوبا

لقد أمّمت حكومة الرئيس كاسترو 90% من القطاع الصناعي و70% من الأراضي الزراعية. كما تسعى السلطات الكوبية إلى تطوير قطاع السياحة. فالقطاع السياحي يشكّل حاليًا محرّك النمو. بلغ الناتج المحلّي الخام عام 1985 19.27 مليار دولار. وقد بلغ معدّل النمو عام 1996 حوالي 7%.

تعتبر كوبا الدولة السادسة في العالم بالنسبة لإنتاج السكّر. وزراعة قصب السكّر فيها تشغل ثلث الأراضي الزراعية. وقد بلغ إنتاج قصب السكّر في بداية التسعينات 70 مليون طنًا كما بلغ إنتاج السكر ستة ملايين طنًا. بالإضافة إلى ذلك، تنتج كوبا الأرز والبطاطا والتبغ الذي يُزرع في غرب البلاد والذي بلغ إنتاجه عام 1998 حوالي 33100 طن. ويستخدم القسم الأكبر من إنتاج التبغ في صناعة السيكار الكوبي الشهير. فقد صدّر في العام 1998 أكثر من 160 مليون سيكار هافاني. وتنتج كوبا أيضًا البن والحمضيات والأناناس والمانغا والذرة.

أما بالنسبة للثروة الحرجية فهي بعد أن كانت تغطّي أقل من 8% من مساحة الجزيرة قبل وصول الرئيس كاسترو إلى الحكم، أصبحت في أواخر الثمانينات من القرن الماضي تغطّي أكثر من 20%.

وفيما يتعلق بالقطاع الصناعي في كوبا، فإنه يمتصّ 27% من اليد العاملة ويمثّل 34.5% من الناتج المحلّي الخام. إن إقليم كوبا يحتوي على الكثير من المواد الأولية وخصوصًا النيكل (التاسع في العالم)، والنحاس والمانغنيز والكروم والزنك. وتستخدم كوبا أيضًا الملح والكوبالت والنفط الخام والغاز الطبيعي.

إن أبرز المنتوجات الصناعية هي الاسمنت والسماد والورق والنفط المكرر والكاوتشوك ومشتقات التبغ والنسيج. إن صناعة الأدوية هي صناعة مهمة جدًا في كوبا وذات شهرة ونوعية جيدة.

يتم توليد الكهرباء في كوبا داخل معامل حرارية باستخدام النفط أو الفحم أو رواسب قصب السكر. أما فيما يتعلق بقطاع الخدمات والسياحة، فإنه يمتص 50% من اليد العاملة ويمثّل 58.7% من الناتج المحلي الخام. إن الوحدة النقدية في كوبا هي البيزو الكوبي وإن حميع المصارف الكوبية مؤممة منذ العام 1960.

إن السياحة هي أهم نشاط اقتصادي في البلاد وهو اليوم في تطور مستمرّ ويشكّل مصدرًا للعملات الأجنبية. فإيرادات السياحة عام 1995 قدّرت بحوالي 1.3 مليار دولار وإيرادات السياحة لعام 1998 قدّرت بحوالي 1.8 مليار دولار في حين أنها بلغت في العام 1990 180 مليون دولار وفي العام 1988 بلغت 152 مليون دولار.

فالجزيرة استقبلت 1.15 مليون سائحًا عام 1997 وحوالي 1.5 مليون عام 1998.

كذلك إن قطاع المواصلات في كوبا مزدهر، ففي منتصف التسعينات من القرن الماضي أحصي حوالي 60858 كلم من الطرق.

أما فيما يتعلق بالتجارة الخارجية، فإن السكّر ومشتقّاته يمثّلون 75% من صادرات البلاد يليها التبغ والمعادن والصناعات الغذائية.

أما أهم الواردات فهي المنتوجات الغذائية والمحروقات والمواد الأولية الصناعية ووسائل النقل.

إن كوبا قد قوّت علاقاتها التجارية ببلدان الاتحاد الأوروبي التي تزوّدها بـ 38% من وارداتها وتمتصّ حوالي 30% من صادراتها.

الفقرة الرابعة: كوبا في المجال العلمي

إن الثقافة في كوبا هي غنية بفعل التمازج بين إرثي ثقافة إسباني وافريقي.

إن أهم الكتاب الكوبيين المعروفين هم شعراء القرن التاسع عشر. نذكر منهم خوسيه ماريا دي أريديا، جرترودس غومس دي أفيللانيدا، وخوسيه جوليان مارتي وجوليان دل كازال.

إن التعليم في كوبا إلزامي ومجاني للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و 12 سنة.

وفي العام 1993، كان حوالي 73.5% من الشبان ما بين 12 و17 عامًا من المتعلمين.

إن نسبة الذين يحسنون القراءة والكتابة تعدّت 95.7% في العام 1995.

إن أهم جامعة في كوبا هي جامعة هافانا التي تأسست عام 1728.

إن للتطور العلمي في كوبا أهمية كبرى منذ انتصار الثورة عام 1959 ويعتبر نقطة الارتكاز في بناء الدولة الحديثة في كوبا.

إن قسمًا كبيرًا من الموازنة الوطنية مخصص للبحث العلمي.

وفي عام 2000، خصص حوالي 53% من نفقات الدولة لبرنامج العلوم والتكنولوجيا وتشمل 150 مليون بيزو كوبي لحماية البيئة.

وتضم كوبا حوالي 600000 مدرسة تخرّج حوالي مليون شخص من التقنيين والمتخصصين في مختلف الميادين العلمية.

بعد وقوع الثورة في كوبا، وضع برنامج تقني على المستوى الوطني. واليوم نجد في كوبا حوالي 422 مركزًا يعمل فيه حوالي 162607 أشخاص من العلماء والاختصاصيين وأساتذة الجامعات والطلاب.

وفي عام 1994، استحدثت وزارة العلوم والتكنولوجيا والبيئة التي تعتبر بمثابة الموجّه العلمي والتقني للبلاد.

بين عام 1990 وعام 1999، وفي خضمّ الأزمة الاقتصادية التي مرّت بها كوبا والتي عرفت "الحقبة الخاصة"، أنفقت كوبا أكثر من مليار بيزو في مجال البيوتكنولوجيا وصناعة الأدوية. وفي النصف من العام 2000، نفذ حوالي 945 مشروع لابتكارات تقنية.

أظهرت كوبا نجاحات خلال الأربعين عامًا المنصرمة: فحاليًا نجد فيها 1.8 عالم ومهندس لكل ألف نسمة و222 مركزًا للبحوث يوظّف 34200 شخصًا.

في بداية الستينات من القرن الماضي، بدأت كوبا أولى خطواتها في ميدان التعاون الدولي مع وصول جماعات من الطلاب إلى كوبا قادمين من آسيا، أفريقيا وأمريكا اللاتينية لإكمال علومهم في مختلف الاختصاصات خصوصًا من جمهورية غينيا والكونغو وفيتنام وشيلي وأنغولا.

منذ ذلك الحين حتى اليوم، وعلى الرغم من أن كوبا بلد صغير وتعاني منذ أكثر من أربعين عامًا من حرب اقتصادية تشنها عليها الإدارة الأميركية بشكل مستمرّ وضاغط، فإنها لم تتوانَ قط عن تقديم المساعدات التقنية لأكثر من 130 بلدًا في مختلف الحقول.

فحوالي 138805 من المواطنين الكوبيين قدّموا المساعدات لتلك البلدان في ميادين الصحة والبناء والتعليم والرياضة والزراعة وصناعات السكر وصيد السمك.

منذ بداية عام 1991، تساهم كوبا في برنامج العناية بالأطفال المصابين من جرّاء حادث تشرنوبيل والذين بلغ عددهم 15722 طفلاً ما دون الخمسة عشر عامًا إضافة 2895 راشدًا من دول أوكرانيا وروسيا وروسيا البيضاء وأرمينيا ومولدافيا.

وحاليًا، يوجد 239 طفلاً في محجر "تارارا" الصحي كما أن ثمانية أطباء كوبيين ملحقين ببرنامج تشرنوبيل يقدمون خدماتهم في محجر "إيفباتوريا" في أوكرانيا.

إذًا، يظهر ممّا تقدّم أن حكومة كوبا تعمل لمصلحة شعبها كما تساعد شعوبًا أخرى.

وقد قال الرئيس كاسترو في هذا السياق:

" من لا يستطيع أن يفعل شيئًا للآخرين، لا يستطيع أن يفعل شيئًا لنفسه.

ومن لا يستطيع أن يفعل شيئًا للشعوب الأخرى، لا يستطيع أن يفعل شيئًا لشعبه."

 

خاتمة:

إن اللامساواة الاقتصادية على المستوى الدولي ناتجة عن كون الدول المستعمِرة قد أقدمت على نهب خيرات وثروات البلدان التي استعمرتها، فوظّفت هذه الثروات المسلوبة في مجالات التطور والحداثة.

إن الثورة الكوبية خلّصت كوبا من الاستعمار الأمريكي الذي يعتبر امتدادًا للاستعمار الاسباني لكوبا وكانت فاتحة لعهد جديد هو عهد الحداثة.

إن كوبا حاليًا تتوافر فيها مقوّمات تدلّ على الحداثة. فللدولة دستور يكرّس الحريات العامة وحقوق الإنسان كما أن الاقتصاد الكوبي مزدهر وأن قطاع السياحة فيه يدرّ على الدولة أموالاً طائلة، كما أن اختصاصات العلوم والتكنولوجيا قد بلغت مستويات عالية.

إن حكومة كوبا استطاعت ان تبني دولة حديثة على الرغم من جميع الحصارات الاقتصادية المفروضة عليها وعلى الرغم من تحديات ظاهرة العولمة التي تعصف في جميع أنحاء العالم. وهذا الصمود في وجه التحديات لدليل قاطع على ثقة الشعب الكوبي بنفسه وبحكامه.

 

ملحوظة: نشكر السيد إدواردو إغليزياس المستشار في السفارة الكوبية في لبنان الذي زوّدنا بأهم المراجع والمعلومات لتسهيل مهمّتنا في إنجاز هذا البحث. 


إطبع الصفحة أرسل الى صديق عودة إبدي رأيك أغلق الصفحة عودة الى أعلى