الثورة هي تغيير
كل مل يجب تغييره

 

  

English Français Español
كوبا > الثورة

 هواجس في الذكرى الـ 49 لانتصارها، كوبـا: ثـورة لـم تتقاعـد!

وسام متى

«
الثورة تبدأ الآن... لن تكون مهمة سهلة، إنما مسيرة قاسية ومحفوفة بالمخاطر». بهذه الكلمات خاطب فيدل كاسترو، في مثل هذا اليوم من العام ,1959 الكوبيين في مسقط رأسه سانتياغو دي كوبا، معلناً انتصار الثورة وانطلاق «المسيرة الكبرى» نحو هافانا.


وفيما تدخل الثورة في كوبا عامها الخمسين، ما زالت مسيرتها محفوفة بمخاطر جمّة، مترافقة مع متغيرات خطيرة في النظام العالمي أفقدتها حليفها الرئيسي، الاتحاد السوفياتي، في ظل حملات شرسة من قبل عدوها اللدود، الولايات المتحدة، لإسقاط نظامها وتطويعه بوسائل شتى، تراوحت على مدى نصف قرن بين دعم المنشقين وإيوائهم، وزعزعة استقرار الجزيرة وحصارها، وصولاً إلى التخطيط لتنفيذ 638 محاولة لاغتيال قائدها.

ورغم تلك المصاعب، ما زالت الثورة مستمرة بانجازات كبيرة، خصوصاً على مستوى الصحة والتعليم، حيث باتت تصدّر الأطباء والمدرّسين، وتستقبل الطلاب في جامعاتها ومعاهدها، وتطلق حملات الطبابة في القارة الجنوبية، فيما ساهمت التطوّرات المتسارعة في أميركا اللاتينية، وأهمها وصول هوغو تشافيز إلى الرئاسة في فنزويلا، في إعطاء بصيص أمل للجزيرة المحاصرة، مع إطلاق «البديل البوليفاري» كإطار «إنساني» للتكامل الاقتصادي والاجتماعي.

وإذا كان الإعلان المفاجئ عن مرض كاسترو في آب ,2006 وتسليمه السلطة «موقتاً» لشقيقه راوول، قد أربك مؤيديه ومعارضيه على حدّ سواء، فإنّ الهدوء الذي ساد خلال الفترة التي يصفها المحللون بـ«المرحلة الانتقالية» كان كافياً للتأكد من أنّ «سيناريو الانهيار» الذي شهدته أوروبا الشرقية في أوائل التسعينيات، ما زال بعيداً.

وفي الوقت الذي تستعد فيه سانتياغو دي كوبا لانتخاب فيدل كاسترو نائباً لها، كخطوة أولى على طريق إعادة انتخابه رئيساً للبلاد، أثارت رسالته الأخيرة إلى برنامج «الطاولة المستديرة» التلفزيوني، التي المح فيها إلى احتمال تنحيه لصالح الجيل الجديد، قلقاً حول مستقبل الثورة، وسط حراك سياسي داخلي على المستوى التنظيمي في الحزب الشيوعي الحاكم، عبّر عنه الرئيس الموقت راوول، بتلميحه إلى أنّ الوقت قد حان لاتخاذ خطوات على طريق الانفتاح.
ويبدو القلق على مستقبل الثورة بعد فيدل مشروعاً، خصوصاً أنها ارتبطت به وتماهى بها على مدى نحو خمسة عقود، من هنا فإنّ الحريصين على استمرارها والطامحين إلى إسقاطها يطرحون السؤال الآتي: هل يمكن للثورة أن تتقاعد مع فيدل؟

يرى الأكاديمي والمخرج الأميركي سول لانداو، في مقابلة مع «السفير» أنّ «مرض فيدل لم يحدث أي تغييرات بنيوية على النظام السياسي والاقتصادي في كوبا»، معرباً عن اعتقاده «كأي شـــخص راقب هذه المسيرة بشكل وثيق على مدى عقـــود»، أنّ كوبا «نجحت في مأسســـة كافة أوجه حياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، كمــــا أنّ الدولة راسخة والوزارات تعمل بشكل فاعل، وغياب فيدل لن يؤثر على ذلك».

ويشير لانداو، الذي أخرج العديد من الأفلام وكتب مئات الأبحاث والمقالات عن كوبا، إلى أنّ ابتعاد فيدل عن الأضواء «سمح بالاستماع إلى الأصوات المطالبة بالتغيير، بمعنى الانفتاح، وأحد الأمثلة على ذلك مارييلا كاسترو، ابنة راوول، التي دعت إلى نقاش عام حول العديد من القضايا التي كان يمكن تجنب الحديث عنها علناً في ظل حضور فيدل، بينها عجز الدولة عن دفع أجور مناسبة»، يضاف إلى ذلك ما نشرته صحيفة «خوفنتود ريبلدي» (الشبيبة الثورية) من مساءلة للحكومة بشأن نسبة البطالة التي بلغت 2 المئة.

وفي حين يؤكد لانداو أنّ «الحياة اليومية في كوبا تسير بشكل طبيعي كما لو أن شيئاً لم يحدث»، يعتبر أنّ «الفارق الكبير» الذي قد يحدث في حال استمرار غياب فيدل هو أنّ القدرة على تحقيق الإجماع على مستوى النظام ستكون اكثر صعوبة، موضحاً أنّ الزعيم الكوبي «من خلال موهبته وشعبيته وسلطته والكاريزما التي يتمتع بها قادر على تحقيق هذا الإجماع». ولهذا، يتوقع لانداو أنّ «تعمل العديد من الفصائل داخل الحزب الشيوعي الكوبي على إظهار اختلافاتها».
بدوره، يشير منسق برنامج أميركا اللاتينية في مؤسسة «كاتو» الأميركية للدراسات خوان كارلوس هيدالغو لـ«السفير» إلى أنّه «على الرغم من ابتعاد كاسترو لأكثر من 16 شهراً عن السلطة بسبب مرضه الغامض، فإنه لا يزال يتمتع بنفوذ كبير في كوبا، فشقيقه هو الرئيس الموقت، ويعد واجهة الحكومة»، ليخلص إلى القول إنّه «من غير الممكن أن نتوقع تغييراً في كوبا ما دام كاسترو على قيد الحياة».

ويضيف هيدالغو أنه «في الوقت الذي يقول فيه راوول إنّ كوبا بحاجة إلى تغييرات بنيوية مبدياً استعداده لفتح حوار مع الولايات المتحدة (بعد رحيل رئيسها جورج بوش)، فإنّ فيدل يؤكد مجدداً أنّ كوبا لا يمكنها أن تتفاوض مع (الامبراطورية)... وأنه على المرء أن يظل ثابتاً حتى النهاية»، مشدداً على أنّ فيدل «لا يزال يحتفظ بسلطة مطلقة في الجزيرة والدليل إعادة ترشيحه إلى البرلمان الكوبي».

وعلى عكس لانداو، يرى هيدالغو أنّ «الوضع في كوبا غير مستقر، فالجزيرة تستفيد حالياً من مساعدات بقيمة ملياري دولار من فنزويلا، وهذا الأمر لا يتوقع أن يستمر طويلاً، وبالتالي فإنّ الاقتصاد يحتاج إلى تغييرات بنيوية دراماتيكية»، مشيراً إلى أنّه في حال غياب فيدل فإنّ «الحزب الشيوعي سيعتمد سياسة الانفتاح الاقتصادي، مع الاحتفاظ بقبضته علــى السلطة على غرار النموذج الصيني».

ويتابع «الكوبيون يريدون التغيير، لقد زرت كوبا في آب الماضي وشهدت ذلك، بالطبع هم لا يريدون أن تفرض الولايات المتحدة نموذجها على الجزيرة، كما أنهم لا يريدون أن يحكمهم كوبيون من ميامي»، متوقعاً «تحولاً باتجاه تحرير الاقتصاد سيستتبع بالتأكيد بحرية على المستوى السياسي».

في «مذكرات بصوتين» يقول كاسترو للصحافي إيغناسيو رامونيه «كل عام أخصص المزيد من الوقت للثورة، أحسب أنني أعطيها المزيد لأنّ خبرة المرء قد زادت، ولأنّ المرء تأمل كثيرا، وفكر كثيرا». ويضيف «أفلاطون قال في (كتاب) الجمهورية إن العمر المثالي لتقلد مناصب الحكم هو ما بعد الـ,55 في رأيي أنا، وبحسب أفلاطون، العمر المثالي ينبغي أن يكون في الستين. وأتخيل أن الستين في زمن أفلاطون تساوي الثمانين اليوم».

وفي رسالته الأخيرة إلى «الطاولة المستديرة»، تحدث كاسترو عن المهندس المعماري البرازيلي اوسكار نييميير كمثال للمرء الذي يبقى ثابتاً حتى النهاية... نييميير بلغ المئة من العمر وما زال نشيطاً في مجال عمله... وبالتأكيد فإنّ كاسترو سينظـــر، ما دام حـــياً، إلى هذا المهندس كنموذج، فالثــوار، بنظره، «لا يتقاعدون أبداً».

 

السفير 03-01-2008


إطبع الصفحة أرسل الى صديق عودة إبدي رأيك أغلق الصفحة عودة الى أعلى