الشعوب العربية في حدقة خوسيه مارتي .الصفحة التاسعة.
على اي حال ، فهو يستوعب ويعدد الدوافع المستفيضة التي تحفز اهالي الريف على الثورة مجددا ضد السلطة الاسبانية هذه الدوافع التي تتمثل في : تفاقم عمليات تدنيس اراضي الاجداد من خلال بناء مزيد من الحصون العسكرية ، والثأر من اسبانيا لوحشية ما ارتكبته في معارك سابقة ، اضافة الى الطموح المشروع لرؤية وطنهم المحبوب حرا من الغرباء ، لا سيما ان فكرة الوحدة اصبحت تتوهج باندفاع لدى كافة العرب ، وكافة من يقطنون شمال افريقيا دليلهم هو ايمانهم ، لا يقف في وجههم سوى ذوي الامتيازات والجبناء ،" الشعوب التي يسوقها السادة المزيفون من الافارقة المتفرنسين والامبرياليون وبعض الزمر العربية ، الذين يقسمون ويتقاسمون الاراضي العربية ، فوق جثة الامة ، هذه الاراضي التي اشتهرت منذ قرون خلت بروعتها واقدامها "، ويوجز قائلا :" ما يقف وراء الريف هو الامة بمجملها ، الايمان والعرق ".(48)
هكذا ، حلل وساند مارتي القضية التي دافعت عنها في مليلة وتطوان وفي كافة انحاء مناطقهم في افريقيا وبقية انحاء العالم الشعوب العربية التي تعرضت للاعتداء وللقهر . ورغم انه اعلن عن التقديرات الاكثر احتمالا ، ان تغرق اسبانيا الاستعمارية ثورة 1893 بالدم ، الا انه كان على يقين بأن ثوار الريف سيعودون للنضال مرة تلو الاخرى ، حتى تحقيق الاستقلال . لهذا نجده يقول :" الشعب المقموع لا يتراجع ابدا ، ولن يتراجع الشعب الذي احتلت ارضه من قبل الاجنبي ، هذه الارض التي جبلت بعظام ابناءه . لقد عاد الريف واشعل الحرب ضد اسبانيا ، وستعيش اسبانيا في الحرب ضد الريف ، ما دامت لم تجل قواتها عن هذه الارض المقدسة ".(51)
وحتى مارتي نفسه كان قد أرسل إلى سجن سبتة ، حسبما ذكر بنفسه ، لكنه نزل في سانتاندير ، ولم يصل إلى هذا السجن الإفريقي ، الذي يصفه كما لو كان قد عانى من أهواله . في مسرحية "الوطن والحرية" ، يقدم الوصف التالي على لسان أحد أبطاله :
إذ حاولنا البحث عن المنابع التي ارتوى منها خوسيه مارتي ، كل هذا التراث العرفي حول العالم الإسلامي ، وجدنا مصدرين أساسيين هما تجربته الذاتية ومطالعته الدائمة .
بدون شك ، فان الأعوام التي قضاها في أسبانيا وضعته على احتكاك مباشر مع الثقافة العربية ، التي تجذرت على مدار ثمانية قرون في شبه الجزيرة الايبيرية ، ولم تبق ماثلة على حجارة العمران الإسلامي وحسب ، بل تأصلت في تقاليد وعادات وفن وعلوم وحرف أسبانيا ، ناهيك عن أدبها ولغتها : وفي ذلك المزيج الذي لا بد منه بين الشعبين .
ذلك الأثر الذي اكتشفه خوسيه مارتي في الراقصة الإسبانية - ذات النظرة والحواجب العربية - ليست أمورا استثنائية بهذا الشكل . فعندما تلحظ واقعية في وصف مصر ، عندما يقول إن أيام الانتخابات في نيويورك تشبه غروب الشمس في مصر . وعندما يرسم الكثبان الرملية المتألقة ، والسماء التي تشبه الزعفران ، يجدر بنا أن نتساءل : هل كان بمقدوره أن يقدم لنا هذه المشاهد بكل الدقة دون أن يشاهدها عن كثب ؟