علاقة كوبا مع الدول الاشتراكية.
عندما بدأت الثورة بتنظيم البلاد ، تحولت من ثورة تحررية إلى ثورة اشتراكية حتى تستطيع أن تحافظ على استقلالها التام.
من هنا انفتحت كوبا على البلدان الاشتراكية . حيث أقامت علاقات اقتصادية وسياسية مع هذه الدول . والجدير بالذكر أن إقامة هذه العلاقات مع الدول الاشتراكية كان على أساس الاحترام المتبادل ، إذ أن الدول الاشتراكية لم تتدخل في شؤون كوبا الداخلية ، بل ساعدتها في عدَّة مجالات سواء اقتصادية، حتى تتمكن كوبا من بناء اقتصادها ، أو سياسية .
وللحديث في هذا المجال ، لابد من الإشارة إلى الاتفاقيات التي وقعتها كوبا مع البلدان الاشتراكية خاصة مع كلٍّ من الاتحاد السوفييتي وجمهورية الصين الشعبية . أهم هذه الاتفاقيات كانت اتفاقية شراء السكر الكوبي ، لأن اقتصاد كوبا كان قائماً بالدرجة الأولى على السكر ، خاصة وأن الولايات المتحدة كانت قد أوقفت الكوتا السكرية التي كانت مخصصة لكوبا وفرضت حصاراً اقتصادياً كاملاً على المنتوجات الكوبية .
فقد تعهد الاتحاد السوفييتي بشراء أربعة ملايين طن من السكر بسعرٍ أغلى بكثير من السعر الذي كانت تحدده بورصتا نيويورك ولندن (11)، مع العلم أن الاتحاد السوفييتي كان المنتج الأول للسكر في العالم ، ولكن هذا الشراء قام على أساسٍ سياسي . وكان على كوبا لكي تنمو وتنمي تجارتها الخارجية أن تحسب حساب السكر . فإما أن تبيع سكرها ، أو تصاب بأضرار جسيمة في تجارتها الخارجية ويضاف إلى ذلك أنها تبيع السكر بسعر معين وإلاّ حدث تدهورٌ فعليٌّ في رأسمال البلاد إذا وجب أن يباع المحصول الرئيسي بسعر أدنى من تكلفة إنتاجه .(12)
وقد تعهد الاتحاد السوفييتي بشراء ما مقداره مليونين وسبعمائة ألف طن من السكر ، حيث لم تشتر الولايات المتحدة من كوبا هذه الكمية من قبل . كما اشترت الصين مليوني طن أيضاً وتعهدت الدول الاشتراكية الأخرى أيضاً بشراء 300000 طن ، واشترت جمهورية كوريا الديموقراطية 20000 طن وفيتنام 5000 طن ومنغوليا 1000 طن(13)، وهكذا استطاعت كوبا أن تنمي تجارتها من السكر عن طريق مبادلتها بمنتجاتٍ أخرى .
عندما قامت الولايات المتحدة بشل الصناعة الكوبية من خلال حرمانها من المواد الأولية ومن قطع تبديل الآلات ، قامت كوبا بتوقيع بروتوكولات مع الاتحاد السوفييتي لإنشاء مصانع صغيرة . مصنع للمصادر ومصنع لقطع التبديل . هذان المصنعان لهما أهمية استراتيجية كبيرة . فقد كان على كوبا أن تنتج قطع الغيار محلياً ذلك لأن المعدات والآلات التي كانت تشغل المصانع كانت أمريكية الصنع ولا توجد مثل هذه المعدات في البلدان الاشتراكية (14). لذلك تعهد الاتحاد السوفييتي بإنشاء معمل لتكرير السكر قادر على إنتاج ما يساوي مليون طن في السنة .
كذلك تم توقيع اتفاق بين كوبا وتشيكوسلوفاكيا على زيادة الاعتماد من 20 إلى 40 مليون بيزوس لإنشاء معامل لتركيب العربات : سيارات شحن ، محركات بصورة عامة ...(15)
وبعد أن قامت الولايات المتحدة بوقف البترول عن كوبا ، وقعت كوبا والاتحاد السوفييتي اتفاقاً تعهد فيه الاتحاد السوفييتي بتزويد كوبا بالبترول مقابل كميات السكر التي تنتجها كوبا له . إذ كان البترول من المشكلات الأساسية لكوبا وذلك لحاجته لإنتاج الكهرباء ، وقام الاتحاد السوفييتي بإرسال 12 مليون طن من البترول إلى كوبا ، بينما كانت كوبا تحتاج إلى 9 مليون طن فقط وأما الكمية الباقية فكانت تستخدمها كوبا للتجارة . كذلك تم توقيع بروتوكولات يُكلَّف الاتحاد السوفييتي بالتنقيب الجيولوجي في كوبا : النحاس ، النيكل ، المنغنيز ... .كذلك قامت الصين بإعطاء كوبا قرضاً قدره ستين مليون بيزوس دون فائدة يدفع على مدى خمسة عشر سنة . وشرح الصينيون أن شكل القرض كان ضرورياً لأن هذا ما يستلزمه القانون الدولي والاحترام المتبادل بين دولتين تتمتعان بالسيادة ، إلا أن كوبا ليست مضطرة لتسديده إلا عندما تشاء وإذا حال مانع دون تسديده فلا أهمية لذلك (16). هذا من الناحية السياسية والاقتصادية .
أما من الناحية العسكرية ، فقد قام الاتحاد السوفييتي بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع كوبا ، حيث قام الاتحاد السوفييت بنشر صواريخه على شاطئ كوبا . هذا الأمر أدى إلى حصول أزمة دولية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي انتهت بتوقيع اتفاقية تمنع الولايات المتحدة من الاعتداء على كوبا مقابل سحب الصواريخ السوفييتية . أما بعد انتهاء المنظومة الاشتراكية ، ضعف التبادل التجاري كثيراً بين كوبا والدول التي كانت تعتمد النظام الاشتراكي . وفي الزيارة التي قام بها فلاديمير بوتين ، تم إعادة برمجة الديون التي كانت كوبا قد أخذتها من الاتحاد السوفييتي السابق ، وبدأت كوبا بدفع هذه المستحقات لروسيا .
في ظل الهيمنة الأمريكية على كوبا ، لم يكن يوجد أي علاقات دبلوماسية مع دول العالم الثالث.(17)ولكن بعد انتصار الثورة في كوبا ، قامت علاقات بين كوبا ودول العالم الثالث في مختلف المجالات . هذه السياسة الخارجية لكوبا انطلقت من مبادئ الثورة القائمة على الأممية وعلى التعاون والمساعدة اللامحدودة واللامشروطة لدول العالم الثالث (18).
ويمكن تقسيم هذه العلاقات إلى المساعدات التي قدمتها كوبا لدول نامية في مختلف المجالات ، والعلاقات السياسية والدبلوماسية .
أولاً : المساعدات التي قدمتها كوبا لدول العالم الثالث .
"الشخص الذي لا يستطيع أن يفعل شيئاً للآخرين ، عاجزٌ عن فعل أي شيءٍ لنفسه . والشخص العاجز عن فعل أي شيءٍ لشعوبٍ أخرى ، عاجز عن فعل أي شيءٍ لشعبه ."(19) تحت هذا الشعار قدمت كوبا العديد من المساعدات لدول العالم الثالث وخصوصاً في مجالي التعليم والصحة .
في مجال التعليم ، كوبا عدد كبير من المساعدات التعليمية لدول العالم الثالث من حيث تقديم المنح التعليمية ، أو من خلال إرسال البعثات إلى الدول النامية من أجل محو الأمية . في هذا المجال أرسلت كوبا أكثر من 20000 مدرِّس ومدرِّسة ودكاترة جامعات في مهمات ومساعدات قاموا بها في الخارج وخصوصاً في المناطق التي ترتفع فيها نسبة الأمية . مثلاً أرسلت كوبا في العام 1980 حوالي 1200 مدرِّس ومدرِّسة إلى نيكاراغوا لمحو الأمية ، ومعظم البعثة كانت من النساء وقد عاشوا في مناطق شبه معزولة فيها (20). وكذلك قدمت كوبا منح تعليمية في مختلف المجالات لدول العالم الثالث حيث بلغ عدد الذين تخرجوا من جامعات كوبا من عام 1960 وحتى العام 1999 "15496" طالب دراسات عليا ، و"38760" طالب جامعي ، و"80970" طالب ثانوي تخرجوا من مدارس كوبا ومن أكثر من 86 دولة مختلفة (21).
أما بالنسبة للخدمات الطبية ، فقد قام أكثر من "1642" طبيب كوبي بتقديم خدمات طبية مجانية في 12 دولة ، كذلك أرسلت كوبا أكثر من "2000" طبيب وخبير صحة إلى دول العالم الثالث (22). كذلك قدمت كوبا الكثير من المنح التعليمية في مجال الطب . كما عمدت إلى معالجة عدد من المرضى في مستشفياتها بشكلٍ مجاني .
باختصار قدمت كوبا ودربت أكثر من "138805" شخص في مختلف المجالات والاختصاصات من صحة وتعليم وإرشاد وخبراء اقتصاد واجتماع في جميع قارات العالم تقريباً موزعين بين القارات على الشكل التالي : "76771" في أفريقيا ، "43677" في القارة الأمريكية ، "12316" في الشرق الأوسط وآسيا ، و"6041" في بلدان مختلفة . أما الذين تخرجوا من جامعات كوبا فكانوا كما سبق وذكرنا "38760" موزعين على الشكل التالي : "28809" من أفريقيا وكذلك "6015" أفريقي تدرب في كوبا ، "7648" من أمريكا و"5966" متدرب منها ، "2141" خريج من الشرق الأوسط وآسيا و"471" متدرب بالإضافة إلى "162" من بلدان أخرى (23).
أما في مجال الدعم السياسي والعسكري . فبالإضافة إلى المساعدات الاقتصادية والطبية والتعليمية ، قدمت كوبا دعماً سياسياً وعسكرياً للدول الأخرى سواء داخل الأمم المتحدة أو خارجها .
وتمثل هذا الدعم من خلال المساعدات العسكرية التي قدمتها كوبا لأنغولا على أثر انتصار الثورة فيها ، حيث قامت جنوب أفريقيا بدعم أعداء الثورة عندها أقدمت كوباعلى دخول أنغولا وتحريرها ثم أكملت نحو ناميبيا وقامت بتحريرها أيضاً . كما قامت كوبا بدخول صحراء أوغادين عندما أقدمت الصومال على احتلالها من أثيوبيا ، وكذلك الدعم الذي قدمته للثوار في نيكاراغوا .
ثانياً : العلاقات الدبلوماسية بين كوبا والدول الأخرى .
قبل نجاح الثورة ، لم تكن لكوبا علاقات دبلوماسية مع الدول الأخرى نظراً لهيمنة الولايات المتحدة عليها . ولكن بعد انتصار الثورة ، أقامت كوبا علاقات دبلوماسية كثيرة .
بالنسبة للقارة الأفريقية ، لكوبا علاقات دبلوماسية مع "53" دولة أفريقية ، "31" سفارة كوبية في أفريقيا كما يوجد "20" سفارة أفريقية في هافانا . وفي العام 1963، بدأت كوبا بمساعدة عدد من الدول الأفريقية ، مثل إرسال كوبا مساعدات تقنية إلى "27" دولة أفريقية ، كذلك شملت الدول الأفريقية في برنامج الصحة الشامل "