).
حسناً، كونتة رايس (ضحك)، لا تعرف أيضاً، تجهل، والمتحدثون الرسميّون يجهلون ذلك؛
لم يقولوا أكذوبة واحدة، لم يرتكبوا ولا أدنى ذنب يغتفر، إنهم أنقياء، يستحقون
تصفيق العالم وثقته.
إنه أمر كاذب، هم لم
يمارسوا التعذيب أبداً؛ إنه كذب، لم يتواطأوا أبداً مع الإرهاب؛ إنه كذب، لم
يخترعوا الإرهاب أبداً، إنه كذب، وهم لم يمارسوا التعذيب في أي مكان كان؛ إنه كذب،
لم يستخدموا الفوسفور الحي في الفلوجة. حسناً، يقولون بأن هذا صحيح، ولكنه قانوني،
مشروع جداً وخلقي جداً استخدام الفوسفور الحي. مَن يريدون أن يُفزعوا؟
لقد كنّا شهوداً،
وحين رأيت الرفاق هناك ورأيت آبيل، تذكّرت المعركة الكبيرة التي تم خوضها في مار
ديل بلاتا، في الستاد وفي المقر الذي اجتمع فيه الرؤساء؛ لن أعلّق على هذه النقطة،
ولكن الفرصة أتيحت لشعبنا لكي يرى، يلاحظ –وأنا أعرف وجهات النظر العامة- تلك
المعركة الكبرى، واحدة في شارع والأخرى في شارع آخر، حيث كان يجتمع رؤساء الدول.
وما دمنا في الحديث
عن التاريخ، لم يشهد تاريخ هذا النصف من العالم أبداً، أمراً مشابهاً لمعركة كتلك
المعركة، حيث ذلك السيد صاحب الشخصية الكربة، ولكنها ليست كربة بسبب أفكاره
السيرفانتية، إنما هو صاحب شخصية كربة لأنه يقوم بحركات، بأمور غريبة، ينظر، يملّ،
يقومون بإضجاعه في الساعة الثانية عشرة ليلاً؛ ويمكن في أي يوم أن تنطلق الطائرات
من حاملاتها وتقصف أرض أفراد العصابات تلك الذين، وبسبب انهماكهم بعض الشيء، عكّروا
نوم الفارس الذي يمسك بقيادة الإمبراطورية، فبينما هو ينام، يمكن للجواد أن يذهب
إلى حيث يشاء؛ وفي نهاية المطاف، يمكن للجواد أن يقود مصير الإمبراطورية على نحو
أفضل مما يقوده به الفارس نفسه الذي يفترض أن ينام باكراً (تصفيق).
الحقيقة أنه من
المؤسف جداً ألا يدوم الفجر مدة من الزمن أطول من التي يدومها، لأنه يمكن للعالم أن
يكون في وضع أفضل على الأقل.
هكذا تسير عليه كل
الأمور. لقد رأينا أشياء كثيرة لا ينبغي نسيانها.
بعضهم يأخذ بالسؤال
إن كانت كوبا قد تكلّمت أم أنها لم تتكلّم، إن كانت كوبا قد اتخذت موقفاً أم أنها
لم تتخذه. أنبّه من ذلك، لأن بعضهم آخذ بالدّس حول هذه الأمور. إن كوبا تتكلّم حين
يكون عليها أن تتكلّم ولدى كوبا الكثير مما قوله، ولكنها ليست على عجلة ولا فارغة
الصبر. إنها تعرف جيداً متى وأين وكيف تضرب الإمبراطورية ونظامها وعملائها.
يبدو أن بعضهم يظن أو
يتظاهر بالظن أنه لم يكن هناك كوبي واحد في مار ديل بلاتا، أنه لم تكن هناك قوة
ثورية كوبية بكل معنى الكلمة ومن الدرجة الأولى في تلك المسيرة المجيدة لعشرات
الآلاف من مواطني العالم وخاصة منهم الأرجنتينيون، والذين أهانهم الإمبراطور بإرساء
حاملات الطائرات، وحمله جيشاً معه، واستئجاره لكل الفنادق واستخدامه للآلاف من
عناصر الشرطة. لم يكن أحد لأن يعتدي عليه جسدياً، ما دام ما رغب به هو إلقاء بيضة
عفنة عليه؛ لا، فهو لا يستحق كل هذا التشريف، بأي شكل من الأشكال (ضحك).
والمواطنون
الأرجنتينيون المتحضّرون جداً والمواطنون الواعون والمجرّبون جداً من هذا النصف من
العالم، حيث النظام المفروض لم يعد قابلاً للديمومة ولا للخلاص، يعرفون ماذا
يفعلون. قالوا بأنها ستكون مظاهرة سلمية، وأنهم لن يلقوا ولو ورقة واحدة، وبحشدهم
لكل ذلك العدد من الناس تحت ذلك الرذاذ البارد، وسيرهم على مدى ساعات باتجاه الستاد
وحشد جمع غفير هناك في ذلك الستاد، إنما لقنوا الإمبراطورية درساً لا يُنسى، لأنهم
أثبتوا لها بأنهم أشخاص، بأنهم شعوب تعرف ما هي بفاعلة؛ ومن يعرف ما يفعل إنما هو
يسير نحو النصر، وهذا هو أمر أكيد على الإطلاق. والذين لا يعرفون ما هم بفاعلين
تسحقهم الشعوب.
لا نريد أن نضع حججاً
بيد الإمبراطورية لكي تقوم باستعراض. في لعبة الشطرنج هذه بعشرين حجر، سنرى من
يوجّه الضربة القاضية للآخر في النهاية.
حين أقول إمبراطورية
أنا لا أقول الشعب الأمريكي، وليفهم هذا جيداً. الشعب الأمريكي سينقذ الكثير من
القيم الخلقية، سينقذ الكثير من المبادئ التي ذهبت طيّ النسيان، وسيتكيّف مع العالم
الذي نعيش فيه ما دام هذا العالم يمكن إنقاذه، ويجب إنقاذ هذا العالم. وجميعنا،
فيما بيننا جميعاً وفي الصف الأول، من واجبنا أن نناضل في سبيل تمكّن هذا العالم من
الخلاص وأفضل أسلحتنا لذلك وأقلها عرضة للقهر هو سلاح الأفكار.
بعضهم يتحدث عن معركة
الأفكار، نعم، معركة الأفكار تلك التي خضناها على مدار سنوات، تتحول اليوم إلى
معركة أفكار على المستوى العالمي. وستنتصر الأفكار، لا بد وأن تنتصر الأفكار.
فلننقل هذه الرسالة، فلنفتح أعين البشرية المحكوم عليها بالانقراض. ما دامت لن تكون
أبدية، ما دام محتمل جداً أن ينطفئ حتى نور الشمس يوماً ما؛ وما دام من المؤكد
تقريباً أنه لن تكون هناك طريقة لنقل مادة حيّة وصلبة إلى مسافة تبعد مسافة سنين من
الضوء عن هذا الكوكب، وقوانين الفيزياء هي أشد صرامة بكثير، أكثر دقة بكثير من
القوانين التاريخية والاجتماعية.
على كل الأحوال أظن
بأن هذه البشرية والأمور الكثيرة القادرة على إبداعها يجب المحافظة عليهما ما دام
بالإمكان المحافظة عليهما. فالبشرية التي لا تعبأ لحماية الجنس البشري هي كالشاب
الطالب أو الكادر المسؤول الذي يعرف أن حياته مقتصرة على عدد قليل من السنوات، ومع
ذلك لا يهمّه إلا حياته هو.
ذكرت العديد من أسماء
الرفاق الموجودين هنا، بعضهم ما زال أمامه بضع سنوات، وبعض آخر أمامه أقل منها، ولا
أحد يعرف كم عددها، أنا لا أظن أبداً أن أحداً منهم يفكّر بالمحافظة على نفسه من
دون أن يهمه ما سيكون عليه قدر هذا الشعب الرائع والمدهش، الذي كان في الأمس بذرة
واليوم هو شجرة نمت وذات جذور عميقة؛ يوم أمس كان مليئاً بالقدرة الكامنة واليوم هو
مليء بالنبل الفعلي؛ يوم أمس كان مليئاً بالمعارف في أحلامه واليوم هو مليء
بالمعارف الفعلية، في وقت بالكاد هو يشرع بهذه الجامعة الهائلة التي هي عليه كوبا.
ولاحِظوا كيف يأخذ
الكوادر الجدد بالنشوء، وهم كوادر شبان. ها هو إنريكي، الذي يقود هذا الجيش المؤلف
من 28 ألف عامل اجتماعي، وبالإضافة للسبعمائة الذين يقومون بدراسة هذه المهنة
النبيلة ويرتقون بها.
كما تعرفون، نحن
منهمكون في معركة ضد الآفات الاجتماعية، ضد حرف الموارد، ضد السرقات، وها هي هذه
القوة، التي لم نكن نتمتّع بها قبل معركة الأفكار، والتي صُمِّمت من أجل خوض هذه
المعركة.
سوف أقول لكم شيئاً،
لنرَ إن كان عمال البناء سيمتلئون بالحب القادم من النفس؛ فعندما يريدون أن يكونوا
أبطالاً هم كذلك. ولكن، لا تظنّنّ أن سرقة المواد والموارد هو أمر نشأ اليوم، أو من
الفترة الخاصة؛ الفترة الخاصة فاقمت هذه المسألة، لأن الفترة الخاصة خلقت الكثير من
التفاوت، والفترة الخاصة مكّنت أناساً معيّنين من التمتع بكثير من الأموال.
أتذكر بأننا كنّا
نقوم ببناء مركز هام جداً للبيوتكنولوجيا في بيخوكال. على مقربة من ذلك المكان توجد
مقبرة صغيرة. كنت أنا أقوم بجولات هناك، وفي أحد الأيام ذهبت إلى المقبرة، فوجدت
سوقاً هائلاً، حيث كانت قوة البناء تلك ومسؤولوها، وبمشاركة عدد كبير من عمّال
البناء، تقيم سوقاً لبيع المنتجات: إسمنت، قضبان حديد، خشب، طلاء، كل ما يُستخدَم
في البناء من مواد.
أنتم تعرفون بأن
مشكلة البناء طالما كانت، وما تزال في يومنا هذا، مشكلة بالغة التعقيد. لدينا
الموارد، وفي بعض الأحيان نقصت بعض المواد، وسوف نتمتع بها وهناك إمكانية للتمتع
بموارد أكبر للبناء يوماً بعد يوم؛ ولكن يا لها من مأساة نعانيها مع عمال البناء،
ويا لها من مواطئ ضعف يعانيها أرباب الفرق، الذين من واجبهم السهر على الإدارة.
لكن هذا ليس بأمر
جديد. خلال الفترة التي ذكرتها لكم كان يتم استهلاك 800 كلغ من الاسمنت من أجل
إنتاج طن واحد من الاسمنت المسلّح؛ وفي سبيل إنتاج طن من الإسمنت المسلّح الجيّد،
من ذلك النوع الذي كانت تُصنع منه الأرضيات أو الأعمدة، قبل الفترة التي شُيِّدت
فيها قلعة مورّو وكابانيا، التي تدوم أكثر بكثير من أشياء كثيرة يتم بنائها في
العالم المعاصر، يحتاج الأمر لحوالي 200 كلغ. لاحِظوا كيف كان عليه التبذير، ما كان
عليه حرف الموارد، وكيف كانت السرقات.
في هذه المعركة
لمواجهة الآفات الاجتماعية لن تكون هناك هدنة مع أحد، كل شيء سيسمّى باسمه، ونحن
سنلجأ إلى عفة كل قطاع. هناك أمر نحن واثقون به: أنه في قلب كل إنسان توجد جرعة
كبيرة من الحشمة. عندما يبقى هو مع نفسه، لا يكون حاكماً متشدداً، رغم أن الواجب
الأول على كاهل الثوري، برأيي، هو الواجب بأن يكون بالغ التشدد مع نفسه.
يُحكى عن النقد
والنقد الذاتي، نعم، ولكن عادة ما تكون انتقاداتنا لمجموعة صغيرة، فنحن لا نلجأ
لنقد أوسع، لا نلجأ أبداً للنقد في قاعة مسرح.
إذا ما قام موظف في
وزارة الصحة، على سبيل المثال، بتزوير معلومة عن وجود بعوض "أيديس أيجيبت"،
يستدعونه، ينتقدونه. أنا أعرف بعضاً ممن يقولون: "نعم، أنتقد نفسي"، ويبقون مطمئني
النفس، والضحكة تملأ أفواههم! إنهم سعداء. آه! تنتقد نفسك! وماذا عن كل الضرر الذي
أنزلته وكل الملايين التي ضاعت نتيجة هذا العبث أو طريقة التصرف هذه؟
نقد ونقد ذاتي، صحيح
جداً، لم يكن لهذا وجود؛ ولكن إذا كنا نريد خوض المعركة علينا استخدام صواريخ من
عيار أثقل، لا بد من اللجوء إلى النقد والنقد الذاتي في غرفة الصف، في الخليّة، ومن
ثم خارج الخليّة، ومن ثم في البلديّة ومن ثم في البلاد.
فلنستخدم هذه الحشمة
التي يتمتع بها رجال كثيرون بدون شك، لأنني أعرف الكثيرين ممن نسمّيهم بلا حشمة،
وهم بالفعل يستحقون تصنيف بلا حشمة، وعندما يظهر في صحيفة محلية نبأ ما قام بفعله
يمتلئون بالحشمة.
السارق يخدع، أو الذي
يستحق نقداً على ما فعله يخدع، ويكون بذلك كاذب أيضاً.
على الثورة أن تستخدم
هذه الأسلحة، وسوف تستخدمها إذا ما استدعى الأمر ذلك! يجب تفادي ضرورة اللجوء لذلك.
سوف تضع الثورة وسائل التحكم التي يستلزم الأمر وضعها.
كان هناك كثيرون من
السعداء، كما تقول الأغنية: "وأنت كيف حالك؟" كان بالإمكان سؤال ذلك لكثيرين ممن
كانوا يحملون خرطوماً يعبئون به البنزين في الجرار أو يتلقون أموالاً من حديث
النعمة، الذي لم يكن يريد ولا حتى أن يدفع ثمن البنزين الذي يستهلكه.
ولكن ما أقوله هو
واقع وكانت هناك فوضى عامة، ليس في هذا الأمر فقط، ولكن في هذا الأمر كانت هناك
خسائر، بين مسائل أخرى، بقيمة عشرات الملايين من الدولارات، يمكنها أن تكون ثمانين
مليوناً –أصغوا جيداً، وما يعني ثمانين مليون من أموال كثيرة!-، ربما تكون 160
مليون، وربما تكون 200 مليون. هل تعرفون أنتم يا ترى ماذا يعني 200 مليون؟ أنتم
درستم الحساب. ولكنكم سمعتم الحديث عن الجامعات في البلاد، أليس كذلك؟ نعم أم لا؟
أنتم مسؤلون في الجامعات، ولجميع الطلاب حقوقهم، بطريقة أو بأخرى، كل التصنيفات:
طلاب، دورات نهارية عادية، طلاب مدارس ليلية، طلاب في هذا أو ذاك. وهل تعرفون كم
يبلغ اليوم العدد الإجمالي للطلاب الجامعيين، المستوى العالي من التعليم؟ إذا لم
تكونوا تعرفوا بوسعنا أن نبحث الأمر، فأنا قد وصلت إلى هنا وأنا أسأل عن بعض
المعطيات: قل لي العدد بالضبط، 360 ألف. نعم، 360 ألفاً، نتيجة تعميم التعليم
الجامعي.
من المؤكد أن فيسينو
يعرف ذلك. لا يأخذ فيسينو على خاطره إن سألتُه عن هذه الأرقام، (يتوجه إليه
بالكلام) وإذا لم تكن تعرفها لا تخجل من ذلك.
كم يبلغ عدد الطلاب
النهاريين في جميع مراكز التعليم العالي في البلاد، بما فيه المراكز العسكرية؟
إذا لم يكن هو يعرف،
لا بد وأن أحداً يعرف ذلك.
عدد المسجلين في
برنامج التعميم هو هذا، وأبناء الدورات النهارية معاً، هذين الرقمين، هو ما كنت
أقول بمناقشته، إنهم 50 ألف.
ولكن هناك تصنيفات
أخرى، موجودة لدي.
(يوضح إنريكي أنه
يندرج مساعدو الأساتذة، وبذلك يصل إلى 75 ألفاً، إذا ما أضيفوا إلى الـ 25 ألف
جامعي، فإن عددهم يبلغ نحو 100 ألف).
يقول هنا بأن الرقم
مقسوم أولياً: "141 ألف طالب في الدورة العادية النهارية".
"مائة وواحد وأربعون
ألفاً يدرسون ضمن الدورات المخصصة للعمال".
أهم أنفسهم أم لا؟ أم
أنهم مندرجين ضمن تصنيف الـ 360 ألف؟ مدرجون ضمن الـ 360 ألف طلاب برنامج التعميم.
أهذا صحيح أم لا؟
(يشرح إنريكي أنه على
حدة، أن هناك الدورة العادية النهارية، والدورة الخاصة بالعمال وتلك الخاصة ببرنامج
التعميم).
هل قلت العادي
النهاري؟ (يوضح له أن هذا هو الرقم الذي يجري تداوله)
هناك دورات للعمال
الذين أصبحوا بالمستوى الجامعي، حين ينتقلون إلى الجامعات أتصور بأنهم يكونون في
عداد الـ 360 ألفاً؛ هناك 32 ألف يتلقون العلوم من على مسافة، ما هو تصنيف هؤلاء؟
هل يدخلون ضمن الـ 360 ألفاً؟ فهم ليسوا ضمن النظام العادي النهاري، وليسوا ضمن
الدورة المخصصة للعمال، وهم طلاب. هذا النوع من التعليم موجود.
حسناً، سوف نعتمد
الرقم الأكثر تحفظاً، فللغاية التي أنشدها منه يكفي.
يوجد في الوقت الراهن
أكثر من 500 ألف طالب جامعي. ليس هباء أصبح لكم أنتم، اتحاد الطلبة الجامعيين،
وجوداً في البلديات، حيث يبلغ عدد الاختصاصات التي تتم دراستها 45، وهو عدد ينمو
سنوياً. يوجد 169 مقر جامعي على مستوى بلدية، تابعة لوزارة التعليم العالي؛ مائة
وثلاثون مقر جامعي لمنطقة "ألفارو ريينوسو"، منها 84 في مصانع سكر صغيرة، والكثير
منها هو من ضمن الرقم السابق؛ وهناك 18 مقر في السجون، وهي مراكز دراسات عليا يبلغ
عدد المسجّلين فيها 594 في إجازة دراسات اجتماعية-ثقافية، ليسوا كثيرين بعد؛ 240
مقر جامعي تابعة للمعهد الوطني للرياضة والتربية الترفيهية، 19 مقر في سجون حيث
يتلقى العلوم أيضاً 579 طالب، أنجز منهم مائتان السنة الأولى من الاختصاص. وهذا هو
أمر جديد أيضاً: مقرات جامعية في السجون. من ناحية أخرى، يوجد 169 مقر جامعي بلدي
للصحة العامة، يتم فيها اجتياز علوم إجازات مختلفة على صلة بالصحة العامة.
يوجد حوالي 100 ألف
بروفيسور بين أستاذ ذو كرسي ومساعد. كثيرون ممن كانوا يتواجدون في الجهاز
البيروقراطي لمصانع السكر وفي أماكن أخرى يقومون اليوم بتلقين الدروس، إنهم مساعدي
أساتذة؛ وعليه فقد ارتفع عدد أساتذة المستوى العالي من التعليم. وبين الطلاب
والأساتذة –أنا لا أتكلم عن عمال آخرين في الجامعات- يصل العدد إلى حوالي 600 ألف.
من بين الطلاب هناك أكثر من تسعين ألفاً كانوا شباناً لا يتعلّمون ولا يشتغلون،
وكثيرون منهم هم من الشريحة الكادحة، ويحققون اليوم نتائج ممتازة في الدراسات
الجامعية.
هل أتوجه بسؤال، أم
أذكر المعلومات المتوفّرة لدي؟
لقد سألت حتى اللحظة
الأخيرة ما هي نفقة أو موازنة مراكز التعليم العالي. لقد وفّر لي كارلوس معلومة،
أعتقد أنه قال 830. لا بد وأن فيسينو يعرف ذلك، لأنه على اطلاع على هذه المعلومات.
هل تتذكّر هذه المعلومة، فيسينو؟
(يطرح فيسينو بأن
الموازنة بلغت في العام الدراسي الماضي 230 مليون بيسو).
لا، ليت الأمر كذلك.
توجد هنا معلومة، ربما يكون أحد على علم بها.
لاحِظوا، هذه هي
وزارة المال. هذا هو العام 2004، وأنا أسأل عن موازنة عام 2005، فقد نمت الموازنة
خلال هذه السنة على نحو هائل. المعلومة عن موازنة العام الماضي لا تنفعني يا
فيسينو.
حسناًَ، ما يحدث
لفيسينو يحدث لنا جميعاً، وهو موضوع حياة أو موت. قبل بضعة أيام كنت أتواجد أمام
200 مهني جامعي، ذوي تأهيل جيد، وتوجهت إليهم بسؤال: "من منكم يعرف ما يتم دفعه في
منزله مقابل استهلاك الكهرباء؟"
أصغوا جيداً، أيتها
الرفيقات والرفاق؟ ما هو برأيكم عدد الذين أجابوا على سؤالي؟ قوموا بحساباتكم، حسب
المنطق.
ما هو رأيك، أنت الذي
تكلّمت هنا؟ والرفيق، نجيب، الجميع نجباء، ولكن ليس الجميع يتمتع بسهولة الكلام. كم
يبلغ برأيك عدد الذين أجابوا على سؤالي الموجّه لمائتي مهني جامعي (يقول له 100).
ما هو رأيك؟ هل تعرف
أنت ما تنفقه؟ (يقول أن لديه فكرة) وما هي الفكرة، قلها لي بالمال وبالكيلواط؟
(ضحك). لا، انتظر، سأقولها لك أنا إن ذكرت لي أنت كم لمبة عادية عندك وما هي ماركة
الثلاجة، وإن كان التلفاز بالأبيض والأسود أم بالألوان وذكرت لي سنة إنتاجه، وأي
مروحة لديك، وكم مرة تغلي ماء في اليوم، وفي أي وعاء تغليها، وإن كان باستخدام غاز
التمديدات أو الكاز أو غاز الأسطوانات. المسألة هي أنني لا أريد أن أتوجه بالسؤال
لكم، من أجل حمايتكم، الأمر الوحيد الذي طلبته هو أن تجروا لي تقديراً عن عدد الذين
أجابوا على سؤالي من بين المائتي طالب عن حجم فاتورة الكهرباء.
وأنت، الذي تضحك،
دعني أرى، ما هو تقديرك، التقريبي، 50، 70، 120 (يقول له أحدهم الثلث) وأنت؟ (يقول
له أنه ما لا يقل عن 100). لا بد وأنك أنت تحاول أن تتذكر ما تستهلكه في منزلك
خوفاً من أن أسألك، ولكنني لن أوجّه لك هذا السؤال (ضحك).
هل تعرفون عدد الذين
أجابوا على السؤال من بين 200؟ أتعرفون كم؟ 0.0000 إلى ما لا نهاية. لقد درستم أنتم
شيئاً من الحساب، وتستطيعون إدراك ذلك: لا أحد منهم، لا أحد على الإطلاق.
أنا أظن أن من واجب
جميع مواطني هذا البلد أن يمعنوا في ذلك.
هل بوسعي أن أتوجه
بهذا السؤال إليكم؟ لماذا حدث هذا؟ لا بد من التمعّن. لقد قلنا بأنه لا بدّ من
تغيير العالم، لا بد من إنقاذه، وأننا في عالم يعيش لحظته الحرجة وهو أقرب ما يكون
إلى نهايته المأساوية، وأنا لا أبالغ في ذلك من أجل إدهاشكم. يمكن أن تكونوا في سن
أصغر من سني ويحدث ذلك. إنني أتكلّم من أجلكم، ومن أجل أبنائكم، ومن أجل أشقائكم،
إن كانوا أصغر منكم أو أكبر. لم يتم أبداً إثبات ذلك على مدى تاريخ الإنسان الوجيز،
وليس على مدى التاريخ الهمجي، حين كان قد أصبح إنساناً وطوّر قدرة ذهنية، مع أنه لم
يكن يعيش في مجتمع، ولم يكن قد طوّر لغة مكتوبة، ولا حتى تكنولوجيا بدائية.
لماذا. إنكم ملزمون
بالتفكير. أي قادة جامعيين هم أنتم؟ كارلوس، من أين أتت كل هذه القوة العاجزة عن
إعطاء فكرة عن السبب الذي منع 200 مهني جامعي من الإجابة على السؤال المتعلق
بفاتورة استهلاك الكهرباء؟ ما المدة التي تحتاجونها للتفكير؟ هل تكتفون بدقيقة؟ (
يشرح أحد الرفاق أن مرد ذلك هو قدرة العائلة الكوبية على تسديدها بسهولة، ولا يشكل
ذلك همّا لها كما هو الحال في أماكن أخرى).
ما رأيك أنت؟ (يقول
أن هذا يحدث لأنه زهيد جداً هو ما يتم دفعه)
ما رأيك أنت؟ (يعتبر
أن الثورة توفر المعونة للجزء الأكبر من نفقات مواطنينا، والادخار هو محل اهتمام).
حسناً، سأتوجّه إليكم
بسؤال آخر. إنكم تقتربون من معرفة السبب بالضبط، على الأقل كما أراه أنا، ولا أراه
في ذلك فقط. هناك بعض الأسئلة التي يمكنها أن تكون أكثر تعقيداً، ولكن لا بد من حمل
الناس على التفكير وعلينا أن نوجّه الدعوة لجميع أبناء وطننا الشرفاء، وحتى غير
الشرفاء منهم، فيمكن لأحد هؤلاء الأخيرين أن يقول، "الحقيقة أنه للسبب كذا". هناك
أسباب كثيرة. بكل بساطة لأن الكهرباء تقدَّم كهديّة، إنها هديّة. أستطيع أن أثبت
لكم ذلك.
ثم تأتي لاحقاً أسئلة
أخرى: "كم تبلغ أجورنا؟ وإذا ما خطر على البال سؤال "كم هي أجورنا" يبدأ إدراك حلم
كل واحد بأن يعيش من راتبه أو من بدل تقاعده الذي يستحقه بجدارة.
أضيفوا لذلك شيئاً
صغيراً آخر: عندما تفكّر بشقيقتين، إحداهما كانت معلمة، والآن تعيشان معاً، لديهما
مشكلات، صعوبات، وكان دخلهما 80 بيسو كتقاعد، لأن الرواتب من قبل كانت أدنى، ثم
جاءت فترات: "أدفع لك كذا مقابل دوام عادي، وأدفع لك أكثر إذا ما جئت يوم أحد
للعمل"، ولم يكن يؤثر شيء من هذا على الراتب الأساسي، إنما يؤثر على الدخل الفردي
للمعلم، وليس على راتب المعلّم، وبدل التقاعد، حسب القوانين، وكثير من هذه القوانين
كان قديماً، وكان علينا أن نشرع بإلغائها، وأؤكد لكم أننا أخذنا باكتساب الوعي،
والحياة كلها تعلُّم، حتى الثانية الأخيرة منها، وهناك أمور كثيرة تبدأ برؤيتها
بطريقة، وبين ملايين من المواضيع التي تفكّر بها تراك شارد، لا تتنبّه إلى ظاهرة
ما، والزيادات على المداخيل الشخصية حين حلّت الفترة الخاصة، تم القيام بها جميعاً
تقريباً عبر تلك القوانين وليس على أساس راتب أساسي، ولهذا لم يكن هناك أي تردد
مؤخراً حين تم رفع الحد الأدنى من المعاشات إلى 150 للعامل، وكان معاش السيدة 80،
الحد الأدنى خمسين في أحد التصنيفات، وفي تصنيف آخر 190، وفي تصنيف ثالث 230.
تصوَّر ذلك المعلّم أو تلك المعلّمة التي أمضت أربعين سنة، قبل أن ينشأ سوق
الفلاحين الحر وأن يبدأ الوسطاء بالسطو على الجمهورية. نعم، فكل الناس تعرف بأن
الفلاح لا يذهب إلى أي مكان كان ليبيع ثلاثة أرطال من الأرز. الفلاح ليس تاجر؛
الفلاح منتج. يكون عند أحدهم شاحنة لأنه سرقها، أو اشتراها، أو فعل ذلك بمال مسروق،
لأنه وضع لها محركاً، أموراً كثيرة.
لا، ليس هذا بإساءة
الكلام عن الثورة، إنه إجادة كبيرة بالكلام عن الثورة؛ لأننا نتكلم عن ثورة تستطيع
الكلام عن هذا وتستطيع الإمساك بالثور من قرنيه، أكثر مما يفعل مصارع ثيران من
مدريد. فهذا يضع له خرقة حمراء، ثم يأتي، يغلق الرجل عينيه، وفي بعض الأحيان يقوم
بضربة رأس ويلغزه بمسمار، بقضيب، فيثيره؛ ولكن يجب الإمساك بالثور من قرنيه من أجل
الحصول على الجائزة.
لم أكن أنا من هواة
الثيران، مع أنني قرأت أعمال همنغوي، ولكنني كنت أذهب بين الحين والآخر إلى مصارعة
ثيران، ولا أعرف ما اسمها. بعدها، الجائزة: ثور جيد، ذنب، أذن. من كان يفعل ذلك على
وجه من الكمال كانوا يعطونه الأذنين وذنب واسم مجيد وحفلة رومانية لمصارعة الثيران.
أنا لا أتدخل في ذلك.
أذكر أنه في بداية
الثورة، لا أذكر على بال أي منّا خطر الحديث عن مصارعة الثيران. كنّا نبلغ من الجهل
أننا كنّا نتكلم عن مصارعة الثيران، لأننا كنّا قد شاهدناها في المكسيك، وكنّا
وقتها قد أصبحنا ثوريين، أو كنّا نعتقد بأننا كذلك.
إنكم تضحكون، ويسعدني
ذلك، لأنه يحفّزني على رواية بعض الأمور الأخرى.
الاستنتاج الذي توصلت
إليه بعد مرور سنوات كثيرة: من بين الأخطاء الكبيرة التي ارتكبناها، الخطأ الأكبر
هو اعتقادنا أن أحداً منّا كان ملماً بالاشتراكية، أو أحداً يعرف كيفية بناء
الاشتراكية. كانت تبدو وكأنها عِلماً معروفاً، يبلغ الإلمام بها ما يبلغه الإلمام
بالنظام الكهربائي الذي استوحاه بعض الذين كانوا يعتبرون أنفسهم خبراء في الأنظمة
الكهربائية. حين كانوا يقولون "هذه هي الصيغة"، فإن هذا هو سيد العارفين. كما لو
كان أحد طبيب. فأنت لن تناقش مع الطبيب حول فقر الدم، حول المشكلات المعوية، من أي
اختصاص كان، فالطبيب لا يناقشه أحد. يمكنك أن ترى فيه طبيباً جيداً أو سيئاً، ما
أدراني، يمكنك أن تتبع إرشاداته أو لا، ولكن أحدا لا يناقشه. من منّا سيناقش
طبيباً، أو عالماً في الرياضيات، أو خبيراً بالتاريخ أو بالأدب أو بأي مادة كانت؟
ولكننا نكون أغبياء إذا ما اعتقدنا، على سبيل المثال، بأن الاقتصاد –وليعذرني عشرات
الآلاف من رجال الاقتصاد الموجودين في البلاد- هو علم دقيق وأبدي، وهو الموجود منذ
عصر آدم وحواء.
يضيع كل معنى
للديالكتيك حين يظن أحد بأن اقتصاد اليوم هذا هو ذات الاقتصاد الذي كان عليه قبل
خمسين سنة، أو قبل مائة سنة، أو قبل 150 سنة، أو أنه كما كان عليه في عهد لينين، أو
عهد كارل ماركس. وبفكري الذي يبعد عن التحريفية ألف ميل، أكرّم بحق كلاً من ماركس
وإنجلز ولينين.
قلت في أحد الأيام
"في هذه الجامعة أصبح ثورياً"؛ ولكن ذلك لكوني اطلعت على تلك الكتب، وقبل أن أعثر
بجهدي الخاص ومن دون أن أقرأ أياً من تلك الكتب، كنت أشكك بالاقتصاد السياسي
الرأسمالي، لأنه لم يكن يبدو لي عقلانياً، وكنت أدرس الاقتصاد السياسي في السنة
الأولى عبر بورتيلا، 900 صفحة مطبوعة على الآلة الناسخة، وهي مادة قاسية جداً، وكان
الجميع تقريباً يرسبون فيها. وذلك البروفيسور كان الهول بعينه.
هو اقتصاد كان يشرح
قوانين الرأسمالية، ويذكر مختلف النظريات حول أصل القيمة، كما كان يذكر أيضاً
الماركسيين والطوباويين والشيوعيين، وإلى ما هنالك، مختلف أنواع النظريات المتعلقة
بالاقتصاد. ولكن مع دراستي للاقتصاد السياسي للرأسمالية بدأت أشعر بتساؤلات كثيرة
وأشك في ذلك الاقتصاد، لأنني كنت قد عشت أيضاً في ملكية واسعة من الأراضي وكنت
أتذكر أشياء كثيرة، ونشأت عندي أفكار تلقائية، على غرار العدد الكبير من الطوباويين
الموجود في العالم.
فيما بعد، حين عرفت
ما هي عليه الشيوعية الطوباوية اكتشفت بأنني شيوعي طوباوي، لأن كل أفكاري كانت
تنطلق مما يلي: "ليس هذا بجيّد، إنه سيئ، إن هذا لحماقة. كيف يمكن أن تحل أزمات
فائض إنتاج وجوع ما دام هناك مزيد من الفحم، مزيد من البرد، مزيد من البطالة، لأنه
توجد بالذات قدرة أكبر على خلق الثروات. أليس بالأمر الأسهل إنتاجها وتوزيعها؟"
كان يبدو في ذلك
الوقت، كما بدا لكارل ماركس أيضاً في عصر "برنامج غوته"، بأن حدّ الوفرة كان يكمن
في النظام الاجتماعي؛ كان يبدو أنه بقدر تطوّر قوى الإنتاج كان يمكن إنتاج ما
يحتاجه الإنسان من أجل تلبية احتياجاته الأساسية من النوع المادي والثقافي، إلى
أخره، وبدون حدود تقريباً.
الجميع قرأوا ذلك
البرنامج، وهو برنامج، بالمناسبة، يستحق كل الاحترام. يذكر بوضوح ما هو الفرق
بالمفهوم بين التوزيع الاشتراكي والتوزيع الشيوعي، ولم يكن ماركس يحب التكهّن
بالمستقبل أو رسمه، فقد كان بالغ الجدية، ولم يفعل ذلك أبداً.
عندما ألّف كتباً
سياسية، مثل "الثامن عشر من برومار" و"الكفاح الأهلي في فرنسا"، إنما كان عبقرياً
يكتب، كان عنده تفسير واضح. "بيانه الشيوعي" هو عمل كلاسيكي. تستطيع أنت أن تحلله،
يمكنك أن تشعر بشيء من الارتياح تجاه بعض من الأمور أو تجاه بعض آخر. انتقلت أنا من
الشيوعية الطوباوية إلى شيوعية تستند إلى نظريّات جادة عن التطور الاجتماعي مثل
المادية التاريخية. في الجانب الفلسفي تعتمد على المادية الديالكتيكية. كان هناك
الكثير من الفلسفة، والكثير من التناحر والخلافات. بالطبع، يجب إعارة الاهتمام
اللازم دائماً لمختلف التيارات الفلسفية.
في هذا العالم
الواقعي، الذي يجب تغييره، كرجل تكتيك ومخطط ثوري، من واجب كل ثوري بلورة تكتيك
وإستراتيجية تفضي إلى الهدف الرئيسي المتمثل في تغيير العالم الواقعي. وليس بجيّد
أبداً أي تكتيك أو إستراتيجية تفرِّق.
أتيحت لي أنا ميّزة
التعرف إلى علماء ديانة التحرر مرة في تشيلي، حين زرت أليندي، عام 1973، والتقيت
هناك مع كثير من القساوسة أو الممثلين عن مختلف الانتماءات الدينية، وكانوا يطرحون
فكرة توحيد القوى والنضال، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية.
إن العام يحتاج وعلى
نحو يائس للوحدة، وإذا لم نتمكّن من تحقيق الحدّ الأدنى من هذه الوحدة لن نصل إلى
أي هدف كان.
قلت يوم أمس في
اجتماع مع ممثل الفاتيكان لدى بلدنا أن واحداً من الأمور التي قدّرتها عالياً عند
البابا يوحنا بولس الثاني هي روحه المسكونيّة. لأنني درست في مدارس معلّمين وأساتذة
دينيين منذ الصف الأول وحتى الصف الأخير، في مدارس "الأخوة لا سايي" واليسوعيين،
فهي كانت دينية، وكان عليّ أن أذهب إلى القدّاس في كل يوم. أنا لا أنتقد من يريد أن
يذهب، ولكنني أعترض على إرغامك على الذهاب في كل يوم، وهو ما كان يحدث لي.
حسناً، إنها أمور
كثيرة. بل وأنني تحدثت يوم أمس مع الأساقفة في كثير من هذه المواضيع باحترام وبروح
إيجابية؛ تذكّرت ما قلته عن المسكونيّة، وتذكّرت أنني كنت ألاحظ في زمني حرباً
مستميتة، جميع الأديان بعضها ضد بعضا: الكاثوليكية ضد اليهودية، البروتستانتية،
الإسلامية، وهكذا كل واحدة منها، والحديث عن ديانة لمعتنقي ديانة أخرى كان كالحديث
عن الشيطان.
بعد ذلك بسنوات، أخذت
أرى بدهشة، أظن أنه بعد مجلس الأساقفة الذي انعقد في روما، الفاتيكان الثاني... كان
له بالغ الأثر في خلق روح مسكونيّة، روح احترام لمعتقدات كل واحد من الآخرين.
تصوّروا الكنائس
العديدة والقوية، الكنيسة الكاثوليكية، الكنيسة المسيحية، المدرسة الإسلامية. نحن
أنفسنا نلاحظ اليوم أموراً بالغة الأهمية لم نكن نعرفها من قبل، عن الثقافات متجذرة
الأصول والمعتقدات والعادات الدينية عند المسلمين، لأنهم يتواجدون هناك أطباؤنا في
بلد مسلم يقومون بإنقاذ الأرواح. إنهم يعاملوننا بحب واحترام كبيرين. لن أدخل في
التفاصيل، ولكنها أمور لها بالغ الأثر. هناك العديد من الأديان القويّة جداً ويعود
عهد بعضها إلى آلاف السنين، 2500، 3000، وأخرى أقل من ذلك بقليل، 2000 سنة، وأخرى
مئات السنين.
إنه مثال جيّد، لأنه
إذا لم يتوحّد الحسّ الديني، أياً كانت الأفكار الخلقية أو القيم الأخلاقية أو
الأهداف التي يتوخاها أي دين كان، لن تتحقق هذه أبداً إذا تعلّق الأمر بصراع العديد
من الكنائس، سبع، ثمان، عشر، أو أكثر –هناك أكثر من هذا العديد بكثير-، جميعها في
صراع بعضها ضد بعض آخر وتصدّ جميعها بعضٌ البعضَ الآخر.
ما جعلني أفكّر بهذه
المواضيع هو الفكرة، الواضحة جداً بالنسبة لي، بأن القيم الخلقية هي جوهرية، فبدون
قيم خلقية ليس هناك قيم ثورية.
لا أدرى لماذا تم
اتهام الشيوعيين بالفلسفة القائلة أن الغاية تبرر الوسيلة، بل وأن المرء يتساءل في
بعض الأحيان لماذا لم يدافع الشيوعيون عن أنفسهم بشكل أكبر بعد من ذلك الاتهام الذي
ينسب لهم مقولة الغاية تبرر الوسيلة؛ أنا أعيد ذلك لأسباب تاريخية، بسبب النفوذ
الهائل الذي مارسته أول دولة اشتراكية والثورة الاشتراكية الأولى والحقيقية، التي
نشأت في بلد إقطاعي، ذي عادات وتقاليد ما تزال في جزء كبير منها إقطاعية، وحيث
أغلبية المواطنين أميين؛ ولكنها كانت أول ثورة بروليتاريّة اعتباراً من أفكار ماركس
وإنجلز، والتي طوّرها عبقري عظيم آخر وهو لينين.
درس لينين بشكل أساسي
مسائل الدولة؛ لم يتكلّم ماركس عن التحالف العمالي-الفلاحي، فهو كان يعيش في بلد ذي
تقدم صناعي كبير؛ لينين رأى العالم المتخلف، شاهد ذلك البلد حيث كان ثمانون أو
تسعون بالمائة فلاحين، ومع أنه كان لديه قوة عاملة قوية في سكك الحديد وفي
الصناعات، رأى لينين بوضوح مطلق ضرورة التحالف العمالي-الفلاحي، الذي لم يكن قد
تكلّم عنه أحد؛ فالجميع كان قد تفلسف، ولكنهم لم يتكلّموا عن ذلك. وكان أن وقعت في
بلد شاسع شبه إقطاعي، شبه متخلّف، أول ثورة اشتراكية، أول محاولة حقيقية لإقامة
مجتمع متساوي، فلم يسبق لأي من الثورات السالفة، التي كانت ثورات رقيّة أو ثورات
إقطاعية أو من العصور الوسطى أو مناهضة للإقطاع أو برجوازية أو رأسمالية أن طرحت
أبداً المجتمع العادل، مع أنها تكلّمت كثيراً عن الحرية، المساواة، الأخاء.
على مدى التاريخ، أول
جهد إنساني جاد لإقامة أول مجتمع عادل بدأ قبل مائتي سنة، أعتقد أنه في عام 1850
كُتب البيان الشيوعي، بل وما تزال هناك 45 سنة لكي تمر 200 سنة، ويُمكن أن يلاحَظ
بعدها تطور الفكر الثوري.
بالدوغمائية ما كان
بالإمكان أبداً الوصول إلى إستراتيجية. لقد علّمنا لينين الكثير، لأن ماركس علّمنا
كيف نفهم المجتمع ولينين علّمنا كيف نفهم الدولة ودور الدولة.
كان لكل هذه العوامل
التاريخية أثراً بالغاً في الفكر الثوري، وكانت هناك بالطبع ممارسات ظالمة، وفي بعض
الأحيان مثيرة للاشمئزاز.
دفع هذا بالاتهام
الافترائي أنه بالنسبة للشيوعي "الغاية تبرر الوسيلة". لقد فكرت كثيراً أنا في دور
الخلقية. ما هي الخلقية عند الثوري؟ كل فكر ثوري يبدأ بشيء من الخلقية، بقليل من
القيم التي زرعه آباؤه في نفسه، وزرعها المعلمون في نفسه، فهو لم يولد بتك الأفكار؛
كما أنه لا يولد وهو يتكلّم إنما هو أحد علّمه الكلام. وتأثير العائلة هو كبير
أيضاً.
حين درسنا نحن حالات
الشبان الموجودين في السجن بين عشرين وثلاثين سنة، رأينا المجتمعات التي نشأوا
فيها، المستويات الثقافية لآبائهم، ولهم أثراً حاسم، لدرجة أنه خلال معركة الأفكار،
توصلنا إلى استنتاج، بعد إجراء كل نوع من الأبحاث الاجتماعية من هذا النوع، بأن
الجريمة في كوبا هي على صلة وثيقة بالمستوى الثقافي والوضع الاجتماعي للآباء؛ فقد
كانت لا تصدَّق النسبة المتدنية جداً من أبناء المهنيين الجامعيين أو المثقفين
الذين يخرجون عن القانون. كما أنه لم يكن يصدَّق عدد أولئك المنحدرين من عائلات لا
تتوفر لديها تلك القاعدة الثقافية. وإحدى المشكلات الأخرى التي كانت تؤثر: تفكك
الرابط الأسري بين أفراد عائلة كادحة ذات مستوى ثقافي متدني. بعض الأبناء لا يعيش
مع الأب ولا مع الأم، وإنما مع عمة أو خالة، أو جدة تواجه مشكلات صحية أو من نوع
آخر، الأمر الذي يؤثر بشكل بارز على مستقبل الطفل.
كان هذا حين استخدمنا
الفرق الجامعية التي قامت بزيارة أفقر الأحياء، أو حين قررنا في أحد الأيام حشد الـ
700 طالب الذين قمت بعدها بتسليم كل واحد منهم شهادة، وقّعتها في الطائرة، وأنا في
طريق العودة من أفريقيا، حيث قمت على مدى عدة ساعات بتوقيع آلاف الشهادات، نظراً
للقيمة التي أوليتها لذلك العمل. كنت أزورهم أثناء قيامهم بالمهمة، وكم تعلّمنا.
كان لا بدّ من رؤية ما يحدث في المجتمع. أردنا معرفة أمور كثيرة لم نكن نعرفها: كيف
يعيش الناس.
كان في تلك المناسبة
أن اكتشفنا، على سبيل المثال، أن هناك أمهات تعملن، يتلقين راتب، ولديهن في ذات
الوقت ابناً ذا تخلف عقلي، نزيل الفراش ويحتاج لعناية طيلة الوقت، كان يحتاج لأن
تفعلن له شيء. كان أحد أقاربهن يقوم بالاعتناء به إلى حين عودتهن من العمل. ويأتي
اليوم الذي يرحل فيه هذا القريب، أو يموت، فكان على تلك المرأة أن تختار بين العمل،
الذي يوفّر لها لقمة العيش، وبين العناية بابنها.
أريدكم أن تعرفوا أنه
في تلك المناسبة قررنا أن كل امرأة تعيش في هذه الظروف من واجبها أن تختار، حسب
مهنتها، وحسب احتياجاتها وأهمية عملها بالنسبة للمجتمع، بين تلقي الراتب مقابل
عنايتها بابنها أو أن تغطي لها الدولة راتباً لأحد ما لكي يعتني بهذا الطفل بينما
هي تقوم بعملها. إنه مثال واحد من بين أمثلة كثيرة.
كما ساعدت فرق الطلاب
على إنقاذ أرواح أشخاص كانوا يهمّون بالانتحار، على سبيل المثال، وذلك بسبب مرض
عقلي أو حالة اكتئاب لسبب آخر. كم اكتشفنا من الأمور! كان هناك لا أذكر إن كان
عشرين ألفاً أو ثلاثين ألف شخص فوق الستين من العمر يعيشون بمفردهم ولم يكن عند
كثير منهم ولو جرس صغير يبلغون بواسطته أحداً إن أصابهم ألم شديد في الصدر أو بأي
مشكلة أخرى من هذا النوع. هذا ما كان عليه المجتمع.
رأينا المداخيل التي
كان يتلقاها كل مواطن كبدل إعاشة أو ضمان اجتماعي. هناك معلومات كثيرة لم تكن تظهر
في أي إحصاء. أخذنا باكتشاف أموراً كثيرة وبصنع أشياء كثيرة أو إعداد العدة لصنعها.
وصل بنا الأمر لإعداد أكثر من 100 برنامج اجتماعي، عدد كبير منها أصبح تنفيذه
جارياً منذ مدة من الزمن. لم نقم بنشر ما تم فعله. كم هي مجيدة تلك الأيام التي،
وانطلاقاً من كوادر الشبيبة وبدعم الحزب وكل المؤسسات بشكل أساسي، تم خوض معركة
الأفكار تلك من أجل عودة الطفل المخطوف في الولايات المتحدة.
علينا أن نشعر
بالامتنان مدى الحياة للظروف التي عجّلت بهذه الطريقة من معرفتنا للمجتمع ومن
تعلّمنا. أعتقد أنه لو لم نعش تلك التجربة ربما لم نكن نعكف اليوم على صنع ما نقوم
بصنعه.
افتتحنا أول دورة
للعمال الاجتماعيين. كانت هناك حاجة لمعروفة الحدود الدنيا من الرواتب. أريدكم أن
تعرفوا أن زيادة الراتب قد تمت بعد التجول في كل أنحاء البلاد، وكانت ميزانية
الرعاية الاجتماعية تبلغ ثلث ما تم وضعه هذه السنة، حيث تم إيصالها إلى ما معدّله
129 بيسو. كان أقوى ما تم فعله حين تم رفع بدل المعاش والتقاعد، حيث رُفع الحد
الأدنى حتى 150، والتصنيف الثاني إلى 190 والتالي إلى 230. كما رُفع الحد الأدنى من
الرواتب بشكل كبير.
كنّا نتحدث عن أهمية
العامل الخلقي. يحتاج الأمر للبحث في أسباب المغالطة. أعتقد أنه وقعت أحداث تاريخية
أثّرت في الفكرة القائلة أنه بالنسبة للشيوعي "الغاية تبرر الوسيلة"، أحداث دولية
ي