وكنا قد استخدمنا
هذا الرجل بتوصية من مرشدنا ايتميو . كان مرشدنا هذا شيئا
اساسيا ، وكان مثالا للفلاح الثائر . ولكنهم قبضوا عليه
وارهبوه فيما بعد ، وبدلا من ان يقتلوه عرضوا عليه 10 الاف
دولار ورتبة ملازم اذا استطاع ان يقتل كاسترو . وكاد
ايتميو ينفذ الصفقة لولا انه كان يفتقر الى الشجاعة ، ومع
ذلك ، فقد كان مفيدا جدا للعدو لانه ابلغ عن موقع عدة
معسكرات من معسكراتنا .
وفي تلك الفترة ، فترة الهجوم على الحامية ، كان ايتيمو
يخدمنا باخلاص وكان واحدا من كثيرين من الفلاحين الذين
يحاربوا الملاكين الكبار من أجل اراضيهم .
وفي 15 كامون الثاني أبصرنا ثلاث ثكنات لابلاتا التابعة
للجيش ، وكانت لا تزال في طور البناء . وشاهدنا رجالا
انصاف عراة يتحركون هنا وهناك في الثكنات ، واستطعنا ان
ندرك انهم جنود .
ولم نقم بمناورتنا و قررنا تأجيل الهجوم حتى اليوم التالي
.
وفي فجر اليوم التالي بدأنا نراقب مركز الجيش . وكان
الذورق قد 1هب اثناء الليل ولم نشاهد احد من الجنود في أي
مكان . وفي الثالثة بعد الظهر قررنا نقترب من الطريق
المؤدي الى الثكنات ونلقي نظرة . ولم يهبط الليل حتى كنا
قد عبرنا نهر ابلاتا واتخذنا مواقنا على الطريق ، ثم قبدنا
على اثنين من المزارعين كان احدهما من مرشدي الحكومة .
وعندما اكدنا لهما انه لن يصيبهما أي أذى ، قدما الينا
معلومات ثمينة منها ان عدد جنود الثكنات 15 جنديا ، وانه
سوف يمر بنا في اية لحظة شيكو اوزوريو وهو من أسوأ مراقبي
العمال سمعة في المنطقة . وكان مراقبوا العمال يعملون
لحساب اسرة لافيتي التي أنشأت لنفسها القطاعية هائلة كانت
تحميها بفرض جو من الارهاب بمساعدة اشخاص امثال شيكو .
وبعد قليل ، ظهر شيكو على ظهر بغل ومعه صبي زنجي . وكان
مخمورا . وتقدم سانشيز وأمره بالتوقف باسم حرس الريف فأجاب
شيكو على الفور : بعوضة وكانت هذه هي كلمة السر .
كنا نبدو كمجموعة من القراصنة . ولكن شيكو كان مخمورا الى
درجة ان استطعنا خداعه .
وتقدم فيديل كاسترو ، وبدت على وجهه تعابير الغضب ، وقال
أنه كولونيل بالجيش جاء ليتحرى كيف لم تتم تصفية الثوار .
وأعلن أنه سيذهب الى الغابات حيث يجد الثوار الذين يبحث
عنهم .
ثم وجه كاسترو كلامه الى شيكو وقال ان الجيش لا يؤدي مهمته
كما يجب .
واعترف شيكو بأن الحراس يقضون معظم وقتهم داخل الثكنات ،
يأكلون ولا يعملون شيئا واحيانا يخرجون في جولات لا فائدة
منها . واكد شيكو انه يجب اباجة الثوار .
وسألناه بحذر عن الاشخاص الذين يتعاونون مع السلطات
ولااشخاص الغير المتعاونين من سكان المنطقة فبدأ يتكلم
ونحن نسجل الاسماء . وعندما كان شيكو يقول عن شخص ما أنه
سيء ، كنا نفهم أنه من أصدقائنا . وهكذا ، تجمع لدينا 24
اسما من المتعاونين مع سلطات باتيستا وكان شيكو لا يزال
يثرثر .
وشرح لنا كيف قتل اثنين من الرجال ثم اضاف : ولكن جنرالي
باتيستا اطلق سراحي على الفور .
وسأل فيديل شيكو عما يمكن أن يفعله اذا امسك بكاسترو ،
فأجاب بحركة معبرة سوف امزقه . ثم قال وهو يشير الى حذائه
، وكان من نوع الاحذية المكسيكية التي يرتديها رجالنا :
انظروا . ان الحذاء هو حذاء أحد اولاد الكلاب الذين
قتلناهم . ودون ان يدري وقع شيكو وثيقة اعدامه .
وبناء على اقتراح فيديل كاسترو وافق شيكو على مرافقتنا الى
الثكنات حتى نفاجئ الجنود ونثبت لهم انهم غير متأهبين وغير
لائقين للقيام بواجبتهم .
وبينما كنا نقترب من الثكنات ، يتقدمنا شيكو ، كنت لا أزال
غير واثق من انه لم يفطن الى اللعبة . لكنه تابع سيره ،
وهو لا يعلم شيئا وكان يردد بعض الاغاني الشعبية البذيئة .
عندما عبر شيكو النهر واقترب من الثكنات ، فال له كاسترو
ان الاصول العسكرية تقضي بأن يقيض السجين . ولم يقاوم
الرجل ومضى في سيره كسجين هذه المرة ، دون ان يدرك تماما
حقيقة اللعبة . وقال لنا ان الحراس الوحيدين يقفون عند
مدخل الثكنات التي لا تزال قيد البناء وعند منزل مراقب
العمال .
وقادنا شيكو الى مكان قريب وذهب أحد الرفاق ليستكشف المكان
ثم عاد يقول ان ما قاله شيكو صحيحا . وكنا على وشك
الاستعداد للاقتراب من الثكنات ، عندما اجبرنا الى النسحاب
الى الغابات ، حتى يمر ثلاثة من الحراس الخيالة . وكان
هؤلاء يدفعون امامهم رجلا يحثونه على السير بوحشية وهم
يتبعونه على ظهر الخيل .
مر الحراس على مسافة قريبي مني ، وسمعت الفلاح يتوسل ويقول
: انا واحد من اباعكم . وجاء الرد من احد الرجال ، عرفنا
فيما بعد ان العريف بازول : اخرس واستمر في السير والا
الهبت ظهرك بالسوط .
وتصورنا ان الفلاح سيكون في مأمن من الخطر اذا ظل خارج من
الثكنات وقت هجومنا عليها . ومع ذلك ففي اليوم التالي ،
عندما سمع الحراس في نبأ الهجوم قتلوه في الحال .
كانت لدينا 22 قطعة سلاح معدة للهجوم . وكانت فترة حاسمة
لاننا كنا نفتقر الى الذخيرة . وكان لا بد من الاستلاء على
ثكنات الجيش لانا الفشل كان يعني ببساطة اننا سنفقد كل
ذخيرتنا ونصبح عاجزين تماما .
كان كل من جوليو دياز الذي قتل فيما بعد في معركة وكاميلو
سينفيغوس من اشهر قادة ثوار كوبا وقد قتل في حادث طائرة
وفيتر ومور اليس مسلحين ببنادق شبه اوتوماتيكية . وكان
عليهم ان يحاصروا المنزل الواقع الى اليمين والذي تظلله
اشجار النخيل . أما فيديل كاسترو ويونيرسو سانشيز ولويس
كريسبو وغارسيا وفاجاردو وأنا فكان علينا ان نهاجم الوسط .
وترك لراوول كاسترو ومجموعته ، والميدا ومجموعته مهاجمة
الثكنات من الشمال .
واقتربنا حتى مسافة حوالي 40 مترا . وفي ضوء القمر المكتمل
، بدأ فيديل كاسترو الهجوم باطلاق النار من رشاشه ثم تبعته
بنادقنا . وبعد فترة طلبنا من العدو الاستسلام فورا ، ولكن
الجواب جاء سلبيا .
وأبدى الحراس مقاومة أعنف مما كنا نتوقع . وكان احد
العرفاء يرد بنيران بندقيته كلما طلبنا من الجنود
الاستسلام .
ثم صدرت الينا الاوامر باستخدام القنابل اليدوية
البرازيلية القديمة التي كانت لدينا . وقذفت انا وكريسبو
ما معنا من قنابل ولكنها لم تنفجر . وقذف راوول أصبع من
الديناميت ولم ينفجر ايضا" . واصبح من الضروري ان نقترب من
المنازل ونشعل فيها النيران حتى ولو غامرنا بأرواحنا .
وقام يونيفرسو سانشيز بمحاولة فاشلة كما فشل سينفيغوس
أيضا" .
وأخيرا اقتربت انا ولويس كريسبو من احدى المزارع واشعلنا
النيران .
وكشف لنا اللهب ان المكان كان مخزنا لجوز الهند . ولكن
الحريق ادخل الرعب في نفوس الجنود فكفوا عن القتال . وحاول
احجهم ان يهرب ، لكنه وجد نفسه امام فوهة بندقية لويس
كريسبو الذي اطلق عليه رصاصة اصابته في صدره . وكاميلو
سينفيغوس المتحصن وراء الشجرة ، يطلق النار على العريف
الذي كان يحاول الهرب .
قضت رصاصتنا على مقاومة الجنود فأصبحوا عاجزين عن الدفاع
عن انفسهم .
وكان سينفيغوس اول من دخل المنزل الذي كنا نسمع منه صيحات
تطالبنا بالاستسلام . وبسرعة جمعنا كمية من غنائم الحرب :
8 بنادق ومدفع رشاش طومسون وحوالي الف رصاصة . وكنا قد
استهلكنا حوالي 500 رصاصة . وبالاضافة الى لك ، استولينا
على احذمة طلقات ، ووقود وسكاكين وملابس وبعض الاطعمة .
كانت خسائر الجنود : قتيلين وخمسة من الجرحى وثلاثة اسرى .
ولم يصب رجالنا باي خدش ، واشعلنا النيران في مساكن الجنود
. وبعد ان اعتنينا بالجرحى وكان ثلاثة منهم في حالة خطيرة
ماتوا فيما بعد . وانضم احد الجنود فيما بعد الى قواتنا
تحت قيادة راوول كاسترو ، وتمت ترقيته الى رتبة ملازم لكنه
مات في حادث طائرة اثناء الحرب .
كان موقعنا بالنسبة الى الجرحى على النقيض من اسبداد الجيش
. فجنود باتيستا لم يكونوا يقتلون الاسرى الجرحى فحسب ، بل
كانوا يتركون رفاقهم الجرحى ويهربوا .
وكان لهذا الفارق يبيننا وبين معاملة الجنود تأثير كبير
على العدو ، ولعب دورا مهما في انتصارنا .
وقد اصدر فيديل كاسترو اوامره باعطاء الادوية الى الاسرى
لكي يتولوا العناية بالجرحى . وانتزعت من هذا القرار ،
لانني شعرت كطبيب ملتزم بأن الضرورة تقتضي توفير الادوية
الموجودة بين ايدينا لرجالنا نحن . لكن كاسترو اصر على
رأيه ، ووزع الادوية بنفسه على الجرحى . واذكر تماما انني
ندمت بيني وبين نفسي فيما بعد ، حين تذكرت هذا الحادث .
وبعد توزيع الادوية ، تفقدنا الاسرى ، واطلقنا سراح جميع
المدنيين .
كانت هذه اول معركة ينتصر فيها جيش الثوار . وفي هذه
المعركة ، كان لدينا من الاسلحة اكثر مما كان لدينا من
الرجال . ولم يكن الفلاحون قد اصبحوا مستعدين بعد تمام
الاستعداد للانضمام الينا . ولم يكن هناك اي اتصال
بالقواعد في المدن على الاطلاق .
وتابع الثوار طريقهم ، وتابعوا نضالهم ومعاركهم ضد جنود
باتيستا ، وكانت كل معركة وخطوة تجلب لهم المزيد من
الانصار والمؤيدين . ولم تطل نهاية عام 1958 حتى اصبح عدد
الثوار ما لا يقل عن 10 الاف ثائر . وكان موعد هؤلاء مع
باتيستا غي هافانا ، ليلة رأس السنة ، في 31 كانون الاول
1958 .
|