دائماً
الى النصر

 

  

English Français Español
كوبا > إرنستو تشي غيفارا

 هو و هي الكاريزما

بقلم‏:‏ سناء البيسي

 

..‏ ولعل اشهر نموذج في عصرنا لطغيان الكاريزما هو جيفارا‏..‏

 

ارنستو تشي جيفارا الثائر اللاتيني الاشهر، والبطل الاسطوري الذي لم يزل يكتنفه الغموض ويسعي الشباب الي تقليده، وتبحث الصبايا عن فتي احلام بمواصفاته‏..‏ صاحب قضيه الحريه الذي غامر بحياته في دول لا ينتمي اليها، وقضي نحبه فيها دفاعا عن افكاره التي دعا فيها للبحث عن انسان جديد، تحركه دوافع اخلاقيه وليس رغبات ماديه‏..‏ الطبيب الذي بدا مشوار تجواله من فوق البسكلته، ورحل ما بين جواتيمالا وكوبا والمكسيك وبيرو وافريقيا يستنشق الثورات ويوججها‏..‏ ويتنازل زاهدا عن مناصبه في حكومه الثوره في كوبا مفضلا ان يكون الثائر المتجول علي اجواء المكاتب البيروقراطيه الخانقه‏:‏ ان الثوره تجمد والثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وانا لا استطيع ان اعيش ودماء الثوره مجمده داخلي‏..‏ المناضل منذ الثانيه من عمره عندما اصيب بالربو الحاد مما افقد الاطباء الامل في شفائه وحددوا له عمرا بسبع سنوات، لكنه لم يستسلم، وحتي في قمه نضاله الثوري كان يطلب من رفاقه عندما تعتريه نوبه الربو تعليقه بالمقلوب من ساقيه لزياده طاقه قفصه الصدري علي التنفس، وكان لا يري الا والسيجار بين اصابعه‏...‏

 

ولقد كان هناك نضال اشد وطاه وذلك في التعامل مع اهم امراتين في حياته‏..‏ امه الصخريه العواطف التي لم تسمعه يوما كلمه رقيقه او تضمه الي صدرها، وزوجته المتحفظه اليدا التي سقط التجاوب معها رغم انجابها له الابناء الاربعه‏:‏ الطبيبه ايليدنا، ومهندس الالكترونيات كاميللو، وسيليا الطبيبه البيطريه، وارنستو المحامي، الزوجه التي كانت الثوره ضرتها الحقيقيه، وكان جيفارا قد سبق له الزواج قبلها من هيلدا جاديا ورزق منها بابنه اسمها هيلدا بياتريس‏..‏ وربما كان من تاثير القوه الطارده في محيطه ما دفع بجيفارا ليشد الرحال مندمجا بثورته في ثورات الاخرين والتي عبر عنها بقوله في خطابه لامه‏:‏ انا دائما كما انا‏..‏ رجل يعيش في عزله يبحث عن طريقه دون طلب مساعده من احد‏..‏ وقبل مغادرته الاخيره للقتال ترك ثلاثه خطابات وداع احدها لصديق عمره فيدل كاسترو، والثاني لوالديه، والثالث لابنائه، ولا كلمه واحده لزوجته‏!..‏

 

عرفت الايام المظلمه طريقها الي حياه المناضل من اجل فكره ليست دينيه تصبغ الاخرين الي حد الانتحار ففشل في قياده ثوره في الكونغو، ومثلها في بوليفيا حيث ظل يحارب في وديانها الضيقه ومعه‏16‏ ثائرا بينما قوات جيش بوليفيا تصل الي‏1500‏ مقاتل، ومات الجميع من حوله ليتم اسره واطلاق الرصاص عليه تحت خط الخصر تبعا للاوامر الصارمه بعدم توجيه النيران الي القلب والراس ليطول عذاب الاحتضار‏..‏ وقطعت الاوصال للتاكد من صحه البصمات و‏..‏ بقيت اسطوره كاريزما النضال‏:‏ لا يهمني في اي ارض اموت ولكن ما يهمني ان يبقي الثوار يملاون الارض ضجيجا كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق اجساد المظلومين‏..‏ يموت ليعيش وتبقي صورته بمثابه الايقونه لتحتل وسائل الاعلام والاغلفه وواجهه الدولار بدلا من صوره ابراهام لنكولن‏..‏ الصوره التي التقطها المصور الكوبي البرتو كوردا في‏5‏ من مارس‏1960‏ في احتفال وطني وسط النخيل، لكن كوردا بنظرته الفنيه الثاقبه الغي ظلال السعف من الخلفيه ليبرز الملامح المعبره في اشهر صوره في تاريخ الثقافه الشعبيه العالميه، والتي غدت بمثابه رايه ترفرف فوق رءوس الاحتجاجات والتظاهرات في العالم‏..

 

‏ وظل كوردا يغض الطرف عن ظهور الصوره فوق القمصان والملصقات، ولا يعطي اهتماما للمفارقه في ان عدو الراسماليه في العالم قد اصبح بصورته ماركه تجاريه لكثير من السلع الراسماليه، الا انه تصدي اخيرا وبعنف لسلسله متلاحقه من العروض الاجنبيه للحصول علي حق استغلال الصوره فيما يهين صاحبها، وقد نجح في العام الماضي فقط في كسب قضيه ضد وكالتي ركسي فيتشر، ولولينس البريطانيتين للدعايه والاعلان لقيامهما باستخدام صوره جيفارا في حمله دعائيه لمشروب الفودكا قائلا‏:‏ انها وصمه عار في ذكري وتاريخ نضال الرجل الذي لم يحتس الخمور قط في حياته ومن هنا يجب الا تقرن بذكره ابدا‏.

 

وتزور القاهره هذا الاسبوع في ذكري وفاه جيفارا ابنته الطبيبه ايليدنا جيفارا ‏48‏ عاما بدعوه من احمد حمروش رئيس منظمه تضامن الشعوب الافرواسيويه في اطار جولاتها التي لا ترفض فيها دعوه من بلد محب لوالدها ليظل جيفارا الرمز والمعني عالقا في الاذهان، وهو الذي سبق له زياره مصر مرتين في عامي‏1959‏ و‏1965‏ حيث التقي فيهما جمال عبدالناصر ليعقب بعد الزياره الاولي بانه التقي ثائرا عظيما من العالم الثالث، وبعد زيارته الثانيه صرح بانه اجتمع بسياسي مهم في منطقه الشرق الاوسط، وكان جيفارا في الزياره الثانيه يشغل منصب وزير الصناعه الكوبيه ولم يكن في شرف استقباله كما كتب الصحفي القدير ومراسل الاهرام انذاك في موسكو عبدالملك خليل في المطار في ساعه وصوله المتاخره من الليل سوي السفير الكوبي وسكرتيره، ونظيره وزير الصناعه المصريه الخفيفه، حيث اتي تبرير وزاره الخارجيه وقتها بان الوزير جيفارا هو المسئول عن الصناعه الكوبيه، وهي في مجملها صناعه التبغ، وبالتالي فان نظيره المصري الذي يستقبله يكون وزير الصناعه الخفيفه لانه يشرف علي موسسه ماتوسيان للسجائر‏..‏

 

ويكتب شاعر المشاعر احمد فواد نجم قصيدته البليغه جيفارا مات ردا علي التساولات حول طريقه موت الثائر التي اكتنفها الكثير من الغموض‏:‏ صور كتير ملو الخيال‏/‏ والف مليون احتمال‏..‏ لكن اكيد ولا جدال‏/‏ جيفارا مات موته الرجال‏!‏

 

واذا ما كان جيفارا مات هناك فقد عشنا هنا مع ابلغ مثال للكاريزما في ايامنا‏..‏ جمال عبدالناصر‏..‏

 

الأهرام 18-10-2008


إطبع الصفحة أرسل الى صديق عودة إبدي رأيك أغلق الصفحة عودة الى أعلى