|
(العنوان: حالات
انتحار متزايدة و مراكز احتجاز طالبي اللجوء باتت مناطق ساخنة في مجال
المشاكل المتعلقة بالأمراض العقلية . معتقل ووميرا يتحول غوانتانامو
استرالياً ... وغياب تام للجالية العربية ) (الكاتب: غسان علم الدين )
(ت.م: 08-06-2002 ) (ت.هـ: 27-03-1423 ) (جهة المصدر: ) (العدد:
14324 ) (الصفحة: 14 - قضايا )
نقلت وكالة الصحافة الفرنسية أمس ان
دراسة اجراها اطباء كشفت ان نسبة الانتحار في مراكز احتجاز طالبي اللجوء في
استراليا تبلغ عشرة اضعاف ما هي عليه في بقية فئات المجتمع. وافاد التحقيق
الذي اجراه المعهد الدولي الاسترالي والنيوزيلندي لعلم النفس ان محاولات
الانتحار والتشويه الذاتي متفشية بين المهاجرين غير الشرعيين المحتجزين،
وتطاول حتي الاطفال بدءاً من سن العاشرة. وأشارت الدراسة الي ان مراكز
الاحتجاز باتت مناطق ساخنة في مجال المشاكل المتعلقة بالامراض العقلية. لكن
وزير الهجرة فيليب رودوك اعتبر ان الدراسة خاطئة تماماً، مؤكداً انه لم يتم
تسجيل سوي سبع وفيات فقط في هذه المراكز، خمس منها طبيعية، واثنتان بعد حادثي
سقوط قد يكونان عرضيين. واعتبر رئيس الوزراء جون هاورد من جهته انه من دون
نظام الاحتجاز هذا، لكانت استراليا تحولت الي قطب حقيقي لجذب طالبي اللجوء.
الحياة تسلط الضوء علي مأساة هؤلاء اللاجئين وبينهم عدد كبير من العرب
والمسلمين، في أحد مراكز الاعتقال الاسترالية في غياب أي تحرك للجالية
العربية الضخمة في هذه البلاد.
فقراء وبائسون فروا من بلادهم بحثـاً
عن سبـيل للنجاة من بطش أبدي يلازمهم، استقر بعضهم في قعر المحيط الباسيفيكي
بعد غرق المراكب التي كانت تقلهم، فيما انتهي المطاف بمن ظل حياً منهم في
معـسكـر الرعـب في مديـنـة ووميرا حيث تنفي الحكومة الاسترالية المجرمين في
الجنوب الاسترالي. فجأة تصدر المعسكر المشؤوم عناوين الصحف الاسترالية
والعالمية نظراً الي الجريمة - المأساة في حق نحو 900 من اللاجئين العراقيين
والفلسطينيين والجزائريين والايرانيين والافغان، والتي تتحمل الحكومة
الاسترالية جزءاً منها بحسب معظم الصحف المحلية.
ولم يكفِ هؤلاء ابتزاز
مهرّبيهم قراصنة البحار الذين وعدوهم بـ الجنة الاسترالية ، بل زاد في
مأساتهم رفض الحكومة استقبالهم بحجة عدم الاستجابة لضغوط المارقين
.
ووميرا التي سطّر المستعمرون البيض تاريخها الغابر بإبادة سكانها
الأصليين الأبورجينيين علي إيقاع غنائهم ورقصهم حول مواقد النار تدخل اليوم
التاريخ الحديث علي إيقاع ندب وانتحاب النساء العراقيات وغيرهن من الغـارقـات
مع أطفالهن وأزواجهن في جحيم المحيط الباسيفيكي. ولم تتوان كبريات الصحف
الاسترالية خصوصاً صحيفتي استراليان و سيدني مورننغ هيرالد عن تشبيه ما حدث
في معسكر ووميرا بأحداث قلعة غانجي في أفغانستان وتشبيه وضع نزلائه بأوضاع
أسري طالبان و القاعدة في معتقل غوانتانامو في كوبا.
و ووميرا مصطلح
أبورجيني الأصل يعني رامي الرمح . وفي الستينات من القرن العشرين استخدمها
الأميركيون والبريطانيون حقلاً لتجاربهم العسكرية وأقاموا علي مساحة شاسعة
منها مركزاً لإطلاق الصواريخ الي الفضاء. وتعرف المنطقة بطقسها القاري الحار
لوقوعها في نطاق خط العرض المتداخل مع خط الإستواء، ويسميها الجيولوجيون
الـHellish (أي الجهنمية) لوعورة تضاريسها ونتوءاتها وأخاديدها وأجرافها
المخيفة. وفي إحدي افتتاحياتها وصفتها صحيفة سيدني مورننغ هيرالد بـ
غوانتانامو الاسترالية، بسبب الشبه الكبير بين طبيعة المنطقتين.
وأدت
طريقة تعاطي الحكومة مع أوضاع هؤلاء البائسين الي موت العشرات منهم في شكل
مأسوي يتنافي مع سلّم القيم ونظام التعددية الحضارية الذي تفاخر به استراليا
ومع قوانين الحرية الانسانية التي كفلها الدستور، ما جعل من استراليا في
طليعة بلدان العالم التي يتمتع فيها الانسان بأقصي درجة من درجات الحقوق
والعدالة الإنسانية.
ووظفت الحكومة برئاسة زعيم المحافظين جون هاورد ووزير
الهجرة فيليب رادوك هذه السياسة المتشددة في الحملة الانتخابية ضد قوي
المعارضة التي طالبت بادخال اللاجئين بحسب القوانين الاسترالية، في ظل صمت
مطبق للجالية العربية الكبيرة، علي رغم ان هذه القضية شغلت، ولا تزال، حيزاً
كبيراً في محافل الديبلوماسية الاسترالية وفي أوساط وقطاعات كبيرة في
المجتمع، وباتت الموضوع الأكثر إثارة للجدل والسجالات السياسية في السنوات
الخمس الماضية من عمر حكومة الأحرار المحافظين .
فبعد تبني هذه الحكومة
سياسة الاحزاب والتكتلات العنصرية وأبرزها حزب أمة واحدة بزعامة بولين هانسون
برزت الي السطح الدعاوي الي جعل استراليا نظيفة إلا من الاستراليين
الأنكلوساكسونيين . وعلي رغم ان مثل هذه الدعوات قوبلت بالكثير من الشجب
والرفض في أوساط رسمية وشعبية، إلا أنها وجدت أرضاً خصبة وتفاعلاً حيوياً في
هذين القطاعين ايضاً.
وعززت هذا الاتجاه المعادي للهجرة والمهاجرين أحداث
11 ايلول (سبتمبر) في الولايات المتحدة وتداعياتها. وبعدما ثبت لدي
الأميركيين انتماء ثلاثة من الاستراليين الي تنظيم القاعدة ، سارع هاورد الي
استرضاء الأميركيين بالتضييق علي كل ما هو عربي وإسلامي وآسيوي، علي رغم ان
الأسري الثلاثة من أصول أنكلوساكسونية بحسب مصادر التحقيق الاسترالية، وخدم
اثنان منهم في الجيش الاسترالي. واستهدفت الاجراءات الحكومية من دون مسوغات
قانونية من ينتسبون ولو بالمولد الي بلدان همّشتها أميركا وجعلت من شعوبها
أحزمة حقد وكراهية، فنسبت الي هؤلاء ادعاءات غريبة عجيبة بحسب زعيم المعارضة
الاسترالية سيمون كرين.
وبعد تفاقم أزمة طالبي اللجوء وتعرض قـواربهم
وسفنهم إما للتيه في عرض البحر وإما للغرق، وافقت الحكومة الاستراليـة علي
استقبال هؤلاء في معسكر في منطقة ووميرا الذي كشفت احتجاجات نزلائه اجراءات
القمع والتعسف المستجدين في أخلاقيات السياسة والقوانين الاسترالية.
وزاد
اعلان رئيس الوزراء بأننا لن نخجل من مواقفنا المتشددة تجاه طالبي اللجوء في
حدة الأزمة، فانبرت علي الفور منظمات وجمعيات الدفاع عن حقوق الانسان، مدعومة
من تيارات وأحزاب عمالية - يسارية معارضة بتصعيد موقفها ودفع هذه القضية الي
واجهة الاحداث اليومية. ووصف المعارضون الاجراءات الحكومية في حق المعتقلين
بأنها جريمة أخلاقية لا يمكن التغاضي عنها. وتحـت وطأة ضغط هذه المنظمات،
بالتعـاون مع مفوضية حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة، أعلن وزير الخارجية
الاسترالي ألكسندر داونر موافقة بلاده علي زيارة مبعوث مفوضية حقوق الانسان
التابعة للأمم المتحدة الي المعتقل.
وكشفت اللجان حقائق مروعة عن وسائل
التحقيق مع اللاجئين المحتجزين ، الا ان الحكومة استمرت في تشديد طرق
الاحتجاز. وكشفت تقارير وإفادات قدمها القائد البحري الأدميرال جيف سميث الي
مجلس الشيوخ الفيديرالي خلال استماعه في جلسة خاصة عقدها للاطلاع علي ملابسات
القضية أنه كان يتم تقديم الفاليوم لطالبي اللجوء في أكواب الشاي بعد كل
اعتراض متوتر تقوم به البحرية الاسترالية لقوارب طالبي اللجوء .
وعلي رغم
نداءات قوي عالمية واصلت الحكومة الاسترالية إطلاق تصريحات تدافع بها عن
الاجراءات في حق طالبي اللجوء، ما دفع بمئات الناشطين في مجال حقوق الانسان
وهيئات نقابية وعمالية وطلاب جامعات الي اقتحام المعسكر احتجاجاً علي
الاجراءات الحكومية وتحرير نحو 40 من المحتجزين فيه قبل ان يعاد اعتقالهم
لاحقاً.
وعلي رغم الأزمة التي تثيرها هذه القضية في أروقة الديبلوماسية
الاسترالية ولدي قطاعات واسعة من المجتمع المدني، يسجل غياب لافت وصمت تام
للجالية العربية الضخمة بهيئاتها ومثقفيها ورجال الدين فيها عما يجري لمعتقلي
ووميرا، وبيـنهم كثيـرون من أبنـاء
جلدتهم.
|