القاعدة البحرية غير الشرعية
للولايات المتحدة في غوانتانمو

 

  

English Français Español
سياسة > كل شيء حول غوانتانمو > معلومات

 الحياة تجول في معتقلي اكس راي و دلتا لأسري القاعدة و طالبان في قاعدة البحرية الأميركية في كوبا معسكر غوانتانامو أتعب حراسه ... وأسير مسيحي من أفغانستان يبقي لغزاً ... وأسما

محتجزين تحير المحققين (قسم أول) )
(الكاتب: منير الخطيب )
(ت.م: 15 -06-2002 )
(ت.هـ: 04-04-1423 )
(جهة المصدر: )
(العدد: 14331 )
(الصفحة: 14 - تحقيقات )

علي تلة مرتفعة تنحدر عمودياً باتجاه البحر الكاريبي في المحيط الاطلسي، تنتصب حورية نصفها الأعلي عارٍ، وظهرها الي البحر ووجهها صوب معتقل دلتا الحديث البناء، حيث يُحتجز نحو 004 شخص، تعتبرهم الولايات المتحدة العدو الرقم واحد.

يقع المعتقل علي تلة في منطقة وينوارد في غوانتانامو المستأجرة من الكوبيين لمصلحة الجيش الأميركي قبل مئة عام تقريباً. اما المعتقلون فعددهم 483 يتوزّعون علي 43 جنسية وتتراوح أعمارهم بين التسعة عشر عاماً والستين عاماً، لكن غالبيتهم من الشباب. ويطلق علي كبيرهم وهو الوحيد الذي تجاوز الستين لقب الشيخ ، ولم تتوافر اي معلومات اخري عن جنسيته او هويته او مركزه.

المعتقلون متّهمون بالانتماء الي تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، او الي حركة طالبان الأفغانية. اسروا جميعاً بحسب قائد قوة العمليات المشتركة (جي تي أف - 061) البريغادير جنرال ريك باكوس، داخل أفغانستان وبينهم معتقل مسيحي لم تحدد جنسيته أو عمره، وكل ما توافر عنه انه اعتقل في أفغانستان، واحتجز في قندهار ومنها نقل الي غوانتانامو مطلع العام الجاري.

ولم ينفع الالحاح والاسئلة المتكررة عن سبب وجود مسيحي في أفغانستان خلال حكم طالبان للإمارة الإسلامية، في استدراج الجنرال الي جواب واحد أو معلومة اضافية. ورفض خلال حديثه الي الحياة اعطاء أي تفسيرات عن المعتقل الغامض، مكتفياً بالقول ان مهمة جي تي اف - 061 محددة باحتجاز المعتقلين داخل غوانتانامو فقط وضمان سلامتهم وان القوة غير معنية بظروف اعتقالهم أو مستقبلهم الذي تقرره وزارة الدفاع الأميركية بعد انتهاء التحقـيـقـات معهم.

وحرص الجنرال باكوس علي الاشادة بمزايا معتقل دلتا لجهة ترتيب الزنازين داخله وإجراءات الأمن، اضافة الي تجهيزه بمستشفي يضم أحدث الأجهزة الطبية في العالم. وحرص بصورة مبالغ فيها علي عقد مقارنات بين ظروف الحياة اليومية للمعتقلين وظروف معيشة حراسهم الستمئة، ملمحاً الي ان ظروف المعتقلين ربما تكون أفضل.

تعب المرافقين

رافقنا خلال الجولة في غوانتانامو، التي ضمت أيضاً صحافياً بريطانياً ومصوراً لصحيفة صنداي تايمز ، أربعة ضباط فرزوا من مختلف قطاعات الجيش الأميركي لمصلحة وحدة العلاقات العامة في القوة المشتركة. القاسم الوحيد بين الضباط المنتمين الي أسلحة مختلفة، هو الاعياء. حرارة الجو في القاعدة البحرية مدعاة كسل من دون شك، لكن لاعياء الجنود سبباً آخر هو ضغوط العمل الناتجة من حجم المهمة التي يقومون بها: الحرب الدولية علي الارهاب.

أحد المرافقين، مايكل جونسون ضابط برتبة ملازم أول في سلاح الجو، خدم ثلاثة أسابيع داخل أفغانستان، ومنها انتقل الي كوبا، يتصرف وكأنه شريك في أخطر مهمة في العالم. دائم الاستعداد، يزن كلماته بدقة تخوفاً من ان يأخذه الفخر بمهمته الي البوح بما لا يجوز اعلامنا به. ومهمته علي رغم انها محصورة في متابعة أمور الصحافيين داخل القاعدة، لم تسمح له بالتراخي والتصرف الحر. وخلال التنقل عبر طرفي القاعدة الفاصل بينهما ممر بحري، حرص جونسون وهو علي متن العبّارة علي ان يتعامل مع كل تفصيل نراه بسرية مطلقة، الي درجة انه هو الذي سلك الطريق البحري ذاته مئات المرات، يتفاجأ بالتفاصيل كأنه يراها للمرة الأولي. وأدت المواظبة علي هذا السلوك الي اعياء اضافي.

بداية الاعتقال

رحلة المعتقلين الي دلتا بدأت فعلياً في 11 ايلول (سبتمبر) عام 1002. صبيحة ذلك اليوم اصطدمت ثلاث طائرات ببرجي مركز التجارة العالمية في نيويورك وطائرة ثالثة بمقر وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون في واشنطن، وسقطت طائرة رابعة فوق منطقة غير مأهولة في ولاية بنسلفانيا، تضاربت التكهنات في وجهتها الاصلية، وان أجمعت غالبيتها علي ان هدفها البيت الأبيض مقر الرئيس الأميركي.

مع الاستفاقة من صدمة التفجيرات، وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة عدو من نوع جديد. عدو لا دولة له ولا هوية. عدو ليس بالسهولة إمساكه، علي شاكلة الانترنت شبكة متشعبة، لا مكان محدداً لرأسها وامتداداتها في كل مكان.

الأدلة ازدادت مع رفع آلاف الأطنان من الركام، وضاقت دائرة الاتهام الي ان تحدد الهدف: تنظيم القاعدة وحاضنته حركة طالبان الأفغانية التي نجحت خلال فترة حكمها التي لم تتجاوز الست سنوات، في معاداة غالبية دول العالم. وقسم الرئيس الأميركي العالم معسكرين: مع الارهاب وضد الارهاب. وبدأت أولي حروب القرن الـ12.

أسطورة الجغرافيا الأفغانية انهارت مع غارات سلاح الجوّ الأميركي الاسطورية في حدتها. ومن دون الدخول في تفاصيل الحرب غير المنتهية بعد، أسرت القوات الأميركية المئات في طول أفغانستان وعرضها. بعضهم احتجز في معسكر قرب قندهار المعقل الرئيس السابق لطالبان، ونقل نحو 004 منهم الي قاعدة بحرية في كوبا، أي الي دولة لا تخضع للسلطات الأميركية القضائية أو أي سلطة أخري غير عسكرية، قاعدة لها قواعدها الخاصة وتتيح للأميركيين مجـال حـركة أوسع.

طلائع الأسري بدأت بالوصول الي غوانتانامو في 11 كانون الثاني (يناير) الماضي، عدد الفوج الأول لم يزد علي العشرين أسيراً وصلوا في طائرة نقل عسكرية من دون نوافذ وعيونهم معصوبة وأفواههم مكممة والأيدي مربوطة بسلاسل حديد الي الأرجل.

مسؤولية نقل الأسري كانت علي عاتق القوة المشتركة. وبرر الجنرال باكوس الكمامات بالقول ان بعض المعتقلين ربما كان مصاباً بداء السل المعدي، فوضعت الكمامات لحماية بقية الأسري وحراسهم. وكان الجنرال أكد في الحديث نفسه ان الأسري خضعوا لفحوص طبية بينت قدرتهم علي تحمل أعباء السفر.

معتقل أكس راي

الإقامة الأولي كانت في معتقل أكس راي الذي يبعد نحو 005 متر عن مدرسة ابتدائية لأبناء الجنود والضباط الأميركيين العاملين في غوانتانامو. يضم المعتقل 023 زنزانة وتحيط به تسعة أبراج مراقبة. اما سوره فيتألف من سياجين شائكين تفصل بينهما مسافة مترين من أرض رملية ممسدة. الحراس داخل المعتقل غير مسلحين ويتبعون الشرطة العسكرية. وفي هذا الجهاز الأمني عادة ما يغلب عدد المجندات علي الذكور. وحول المعتقل يتولي الحراسة جنود سلاح مشاة البحرية (المارينز).

ونفي الرائد لي رينولدز من وحدة العلاقات العامة ما ورد في بعض وسائل الاعلام عن ان المجندات بدلن ثيابهن لتصبح أكثر احتشاماً لئلا تخدش حياء المعتقلين. وقال ان ألبسة المجندات هي عادة محتشمة، وانهن يرفعن أكمامهن بسبب الحر ولم يصدر عن القيادة الاميركية العسكرية اي امر يفرض عليهن ابقاء الايدي مغطاة.

استوعب معتقل اكس راي 003 معتقل وصلوا علي ست دفعات وأخضعوا لفحوص طبية دقيقة، بينها صور اشعاعية للصدر وفحوص دم. والي يسار المعتقل، غرفتان خشبيتان مكيفتان تؤخذ داخلهما بصمات المعتقلين وتسجل بياناتهم الشخصية، ومن ثم يفرز كل منهم الي زنزانة خاصة. والي اليمين أربع غرف خشب من دون نوافذ مخصصة للتحقيق مع المعتقلين، والي جانبها مستوعبات صغيرة للاستحمام وقضاء الحاجة. وعلي بعد بضعة امتار منها يوجد مستوصف والي جانبه زنزانة أصغر حجماً. قال الرائد رينولدز انها مخصصة للانتظار قبل نقل المعتقل الي المستوصف. ورفض اي ايحاء بأن لها دوراً عقابياً.

وفي الجانب الآخر من المعتقل خصصت مساحة صغيرة عرضها نحو أربعة أمتار وطولها عشرة لممارسة الرياضة.

وأوضح الجنرال باكوس ان للمعتقلين الحق بممارسة الرياضة مرّتين اسبوعياً لمدة 51 دقيقة كل مرة. وعن سبب تحديد المدة أكد ان ثلاثين دقيقة رياضة هي المعدل الوسطي لرياضة الأميركي العادي كل اسبوع .

وخصصت القوة المشتركة بقعة تقع علي مدخل اكس راي ، وتبعد 05 متراً عن سوره لالتقاط صور المعتقل.

ورفضت قيادة القوة المشتركة الطلبات المتكررة زيارة المعتقل من الداخل، واكتفت بعد الالحاح بالسماح لنا بجولة سيارة علي سوره والاقتراب من بوابته من دون التقاط صور، علي رغم خلوّه من المعتقلين. وبرّر باكوس التشدّد هذا بأن اكس راي قد يستخدم مجدداً لاستيعاب اعداد اضافية من اعضاء تنظيم القاعدة . وخصص لنا زيارة ثانية في اليوم التالي، وقد فوجئنا بشاحنات عسكرية ورافعات ضخمة تفكك بعض الانشاءات داخله. ولم يشأ لي رينولدز التعليق علي وجود الرافعات والشاحنات، ورفض تأكيد ما اذا اتخذ قرار بتفكيك المعتقل، قائلاً ان عليه مراجعة رؤسائه، وهم بدورهم لم يجاوبوا.

زنازين أكس راي

الزنازين في أكس راي علي شاكلة أقفاص مربعة الحجم (8 أقدام) علي أرض صلبة لا جدران لها وسقفها من الصفيح والخشب، ما يسمح للأسري بمشاهدة بعضهم بعضاً والتخاطب عبر العوازل الحديد. وتوافر لكل سجين وعاءا ماء للتنظيف وفرشاة أسنان وفراش للنوم وصابون ومعجون أسنان ومنشفتان تستخدم احداهما كبساط للصلاة، ولحافان وشرشف وصندال. وسمح للأسري بالاحتفاظ بمصحف وبعض كتب التفسير التي يجيز دخولها الي المعتقل المرشد الإسلامي العسكري.

وذكر باكوس ان بعض المعتقلين طالب بكتب أخري غير دينية فتوافرت لهم. لكنهم ممنوعون من الاطلاع علي الأحداث السياسية الجارية والأخبار. وأوضح انهم يرسلون شهرياً رسائل الي ذويهم عبر الصليب الأحمر ويتلقون رسائل مماثلة تخضع للمراقبة.

مرتفعات الحرية

علي تلة مطلة علي اكس راي وتبعد منه نحو مئتي متر، نصبت خيم لاقامة الحراس. تستوعب الخيمة ثمانية أسرّة صغيرة الحجم، أصغر من الأسرّة المخصصة لمعتقلي القاعدة .

وألحّ علينا مرافقونا العسكريون بمقارنات بين ظروف معيشة الحراس والأسري، في محاولة لتبيان ان أحوال الأسري أفضل من الناحية اللوجستية. ولهذا الالحاح مدخل الي اعادة تعريفنا بالقيم الاميركية الراعية لحقوق الانسان وحريته. وهي مهمة شكلت سبباً أضافياً لإعياء الضباط المرافقين، اذ تحولت مهمتهم العسكرية عن هدفها المعتاد، الي مداخلات في الحقوق المدنية.

أطلق علي مقر إقامة الحراس اسم مرتفعات الحرّية (فريدوم هايتس)، وفيه كنيسة صغيرة للجنود ومستوعبات أكبر حجماً مخصصة لاستحمامهم. ويتبادل الجنود نوبات الحراسة كل ثماني ساعات، وبالتالي يتناولون وجبتين يومياً، في الصباح والمساء، إذ يمنع عنهم الطعام خلال الحراسة، وهذا دليل آخر علي ان وضع المعتقلين أفضل من وضع حراسهم بحسب ما يقول الملازم أول جونسون الذي كاد في مقارناته ان يصل الي حد القول ان الحراس هم أسري معتقليهم.

والحراس علي علاقة مباشرة بالأسري، ومع وصول دفعة الأسري الثالثة في 61 كانون الاول (ديسمبر) الي غوانتانامو، هاجم احد المعتقلين حارساً وعضّه في يده. وبعد ستة أيام بصق عدد من الأسري علي الجنود وهتفوا ضدهم، ورموهم بحاجياتهم. وسجل المعسكر حالات عض اخري وشبه عصيان تخلله إضراب عن تناول الطعام بعد نزع أحد الحراس منشفة، وضعها أحد المعتقلين عمامة خلال الصلاة.

وأكد الجنرال باكوس ان الاجراءات التأديبية بحق المعتقلين اقتصرت علي حرمانهم من الشاي. وفي بعض الاحيان نزعت منهم، ولفترات محددة، فرش النوم، مؤكداً ان افراداً من البعثة الدولية للصليب الاحمر علي اتصال يومي ومباشر ومن دون أي عوائق بأعضاء القاعدة المعتقلين.

يوم المعتقلين

يبدأ يوم المعقتلين مع آذان الفجر. أول المؤذنين في المعتقل المرشد الإسلامي محمد أبو حنا سيف الإسلام وهو ضابط في المارينز بنغالي الأصل. وتم ذلك في السادس والعشرين في كانون الثاني (يناير) الماضي. لكن المرشد لم يشارك المعتقلين الصلاة وهم ممنوعون من الصلاة الجماعية.

بعد الصلاة يقدم الفطور وهو عبارة عن حبوب وعصير وقطعة خبز وعبوة ماء. ومن ثم يسمح للمعتقلين بالاستحمام والاسترخاء داخل الزنزانات ولا ينقلون منها الا في حالات التحقيق. وقبل الظهر يعاين المعتقلون وينقل من هم بحاجة الي علاج الي مستوصف المعتقل أو الي مستشفي قيد البناء داخل معسكر دلتا ، أو يوصف لهم دواء داخل الزنزانات. وللوضوء يستخدم الأسري وعاءي الماء داخل الزنزانات.

عند الظهيرة يؤدون الصلاة، ثم يتناولون طعام الغداء وهو عادة مؤلف من طبق معكرونة وخضار مع اللحم وحبوب مجففة وزبيب وقطعتي بسكوت وكيس بطاطا مقلية، وكيس فستق وعبوة ماء.

ويوزع البريد الوارد في فترة بعد الظهر ويسمح في هذا الوقت للمعتقلين بحمام اضافي خصوصاً ان درجتي الرطوبة والحرارة مرتفعتان في غوانتانامو الواقعة علي خط الاستواء. وبعد تأدية صلاة المغرب يقدم العشاء وهو مؤلف من طبق رز مع فاصوليا عادة، أو نوع آخر من الحبوب وقطعة خبز وماء. ويُعد الطعام بحسب الشريعة الإسلامية في مطابخ الجيش الأميركي. ويقدم الشاي مرتين للأسري خلال اليوم. ومساء تجول دورية طبية علي المعتقلين لتسجيل شكاواهم وتلي ذلك فترة للاستحمام ومن ثم صلاة العشاء.

خارج غوانتانامو

كشف الجنرال باكوس ان بعض المعتقلين نقل الي سجن آخر خارج غوانتانامو. وكان معتقل أميركي الأصل يدعي ياسر حمدي نقل الي الولايات المتحدة بعدما تأكدت القيادة المشتركة من جنسيته الأميركية وصنف علي أنه مقاتل غير شرعي فجرد من حقوقه المدنية، ومن الحقوق التي يتمتع بها السجناء الأميركيون. كما أعيد معتقل آخر في 2 آيار الماضي الي أفغانستان لأسباب لم تعلن ونقل وحده علي متن طائرة عسكرية في ظل اجراءات امنية مشددة. وهاتان هما الحالتان الوحيدتان المعلنتان لخروج أسري من غوانتانامو.

لكن باكوس، وفي كلمة كان ألقاها بالمعتقلين قال ان بعضكم شاهد زملاء له يرحلون الي مكان آخر . وأثارت هذه الجملة تساؤلات حول نقل الأسري الي مكان آخر، الا ان الجنرال نفي ذلك.

وذكر باكوس خلال حديث الي الحياة ان المعتقل ليس دائماً، وأن قرار بقائه راجع الي وزارة الدفاع الأميركية. وأوضح ان القوة المشتركة تتعاطي مع الأسري علي أساس كل يوم بيومه، وأن عدد الزنزانات في معتقل دلتا رفع الي 804 زنزانات وأضيف اليها مطلع الشهر الجاري 402 زنزانات تتيح استيعاب معتقلين جدد. وأضاف ان دلتا مستقبلاً قادر علي استيعاب ألفي أسير.

وعن أوضاع الأسري، قال باكوس انها أصبحت أفضل بكثير مما كانت عليه قبل أشهر. فالمعتقل الجديد أكثر أمناً وهدوءاً، والجنود أكثر راحة في أداء مهمتهم. والأسري أصبحوا يقبلون علي الطعام، خصوصاً ان الزنازين مجهزة بوسائل راحة اضافية . ولفت الي ان المعاملة الإنسانية للسجناء اسفرت عن زيادة أوزانهم بمعدلات عالية تتراوح بين سبعة وعشر كيلوغرامات لكل سجين. واعتبر ان أوضاعهم في غوانتانامو أفضل بكثير مما كانت عليه في أفغانستان.

ملابس ضيقة

واعتبر القائد الأعلي للقوة المشتركة ان الشكوي الوحيدة التي تلقاها من المعتقلين الذين زارهم مرتين وخاطبهم عبر مكبرات الصوت، انحصرت في أن ألبستهم تضيق وتقصر بعد الغسيل فتكشف أجزاء من أجسادهم بما يخالف الشرع. وقال ان القيادة استبدلت الألبسة بأخري أكبر حجماً.

وورفض باكوس تحديد ظروف اعتقال الأسري، قائلاً انه لا يستطيع ان يجزم بأن جميعهم اعتقل خلال أعمال عسكرية، ولكنه أكد ان مهمة وحدته هي جعلهم عزلاً وغير قادرين علي القتال، واستقبال الأسري من أي مكان في العالم واحتجارهم بحسب بنود اتفاقية جنيف لأسري الحرب.

ونفي الجنرال الأميركي معلومات صحافية ذكرت في وقت سابق ان الأسري وزعوا علي زنزاناتهم بحسب جنسياتهم، حيث يبقي المنتمون الي الجنسية نفسها في أماكن متقاربة لتسهيل التواصل في ما بينهم. وقال ان اقامة الأسري لا تخضع لأي نظام.

ترتيبات وروايات غامضة تثير شكوكاً


كانت المهمة الصحافية شاقة في قاعدة غوانتانامو العسكرية. فبرنامج الرحلة الذي أعدته وحدة العلاقات العامة التابعة لقوة العمليات المشتركة (جي تي اف-61) كان حافلاً بالنشاطات التي لا ضرورة لها، وكادت ان تحوّل زيارة القاعدة التي استغرق الوصول اليها من بيروت أكثر من ثلاثين ساعة، الي زيارة سياحية بامتياز.

وتقع القاعدة داخل مرفأ طبيعي هو الأكبر من نوعه في البحر الكاريبي. وبسبب غزارة الامطار الاستوائية تتحوّل القاعدة بقعة خضراء بالكامل، شطآنها رملية تغري بالسباحة علي رغم التحذيرات بوجود اسماك القرش الخطيرة.

ونظّمت وحدة العلاقات العامة برنامجاً يتضمن زيارات لمختلف أرجاء القاعدة بما فيها مطعم ماكدونالدز للوجبات السريعة ولمركزين تجاريين كبيرين مخصصين لتسوّق الجنود والضباط والعمال المدنيين. داخل غوانتانامو اضافة الي متحف بحري وصالات الرياضة والترفيه والبولينغ.

وللتنقّل بين طرفي القاعدة تستخدم عبّارة مائية تستغرق الرحلة فيها نحو نصف ساعة. وفي مقابل البرنامج الحافل بالنشاطات غير الصحافية جوبهنا بأبواب مغلقة دائماً. فمعسكر أكس راي ، وعلي رغم خلوّه من الأسري، بقي منطقة عسكرية محظورة علي المدنيين والصحافيين. وبعد إلحاح متواصل ورفع طلب خطي الـي قائد القوة المشتركة الجنرال ريك باكوس سمح لنا بزيارة ثانية للمعتقل اقتربنا فيها من أبوابه لكن من دون الدخول إليه.

وفي معسكر دلتا فوجئنا بوجود ستار من القماش الاخضر يجعل من شبه المستحيل رؤية الاسري، خصوصاً ان الزنزانات في دلتا مغطاة الجوانب بالقماش ايضاً. فكان مجال الرؤية الوحيد هو خلال تنقّل الاسري. وحينها لا يشاهدون الا كخيالات ضوئية.

وردت القوة المشتركة طلب رؤية الأسري بحجة ان الأمر يحرج المعتقلين. وقال الرائد جيمس بل ان الأسري ليسوا في سيرك ليعرضوا علي الجمهور . وردّد الكلمة الاخيرة بحدّة زائدة. وعندما استفسرناه سبب حدته أجاب ان بعض وسائل الاعلام وصفت الزنزانات بالاقفاص ما أثار موجة اعتراض هيئات مدافعة عن حقوق الانسان .

وقبيل اللقاء مع الجنرال باكوس، طلب الرائد بل الاطلاع مسبقاً علي محاور الحديث، وشدد علي ان نطلب منه مجدداً رؤية الأسري عن قرب. وكان النقيب توم كروسون في القيادة الجنوبية ومقرها ميامي، أكد لنا خلال المراسلات الالكترونية في خصوص تنظيم الزيارة اننا سنتمكن من مشاهدة الأسري عن كثب، ولكننا ممنوعين من التقاط صور لهم أو التحدث اليهم.

ولما واجهنا الرائد بل بأن الزيارة تمت علي هذا الأساس انتفض قائلاً ان كروسون والقيادة الجنوبية كانا مطّلعين علي الاجراءات في أكس راي حيث كان من الممكن مشاهدة الأسري عبر الحديد الشائك، لكن الأمر يختلف في (دلتا) وهذا هو سبب سوء التفاهم .

ونقلنا الي قائد القاعدة ان لا جدوي من استمرار الزيارة في حال بقيت الممنوعات علي هذا المستوي، فنظمت زيارة اخري لمعسكري دلتا و الفا ومررنا فيها قرب الزنازين ولكن من خارج الأسوار داخل سيارة مغلقة النوافذ.

خلال الحديث مع المسعف الطبي ولسون وينشستر رافقه ضابط من العلاقات العامة برتبة عقيد، ليسجل كل ما قاله المسعف. وعندما حاول الآخر الإسهاب في وصف بعض حالات العلاج وكيفية نقل الأسري الي المستشفي، قاطعه العقيد وأكمل بنفسه الحديث ولكن بصورة مقتضبة.

وكانت وحدة العلاقات العامة تعهّدت لنا بلقاءات مع حراس الأسري في معسكر الفا . وبعد انتظار نحو نصف ساعة عاد الرائد لي رينولدز ليبلغنا ان الحراس لا يريدون التحدث الي الصحافة ولو من دون تسجيل أو تصوير وان الجيش الأميركي لا يستطيع ان يفرض علي اي من جنوده التكلم الي الاعلام. وبرر رينولدز قرار الحراس بأنهم منهكون وانهم يفضلون القيام بأمور اخري في استراحتهم.

وأثار تراجع القوة المشتركة من تعهدات القيادة الجنوبية المسؤولة عن القاعدة البحرية في غوانتانامو شكوكاً في وجود كامل عدد المعتقلين المعلن في دلتا . أو في ان يكون بعضهم نقل الي مكان آخر خارج كوبا، غير الأسيرين اللذين نقلا، واحد الي الولايات المتحدة والآخر الي أفغانستان.
وما عزّز هذه الشكوك حادثة وقعت خلال زيارة لمعسكر الفا ، اذ أوقفت نقطة تفتيش تابعة للمارينز السيارة التي كانت تنقلنا وطلبت هويات الجميع. وتبيّن ان رقيباً في خفر السواحل يدعي انطوني خواريز لا يحمل البطاقة الخاصة بالقوة المشتركة، ويحمل فقط بطاقتين واحدة لوحدته العسكرية واخري لاقامته في القاعدة. فطلب عناصر نقطة التفتيش منه الترجل من السيارة وانتظارنا الي حين عودتنا.

في تلك الرحلة كان يرافقنا اضافة الي رينولدز والملازم أول في سلاح الجو مايكل جونسون والعقيد جوزيف هوي وهو المسؤول عن وحدة العلاقات العامة في جي تي اف - 061 . وطالب العقيد بالسماح لخواريز في البقاء معنا، لكن عناصر المارينز أصرّوا علي موقفهم، ولم تنفع تعهدات هوي وتذرعه بغزارة الامطار في تغيير رأيهم.

عدنا بعد نحو ساعتين، وأخذنا خواريز، ولدي وصولنا الي مقر إقامتنا، أبلغ بصورة سرّية المصوّر في صحيفة صنداي ميرور انه شاهد لدي انتظاره علي نقطة التفتيش سيارة اسعاف تنقل أحد الأسري وان الأسير المذكور لوّح بيده. وطلب الرقيب منه الا ينجد احداً.

هذه الرواية اضافت مزيداً من الشكوك، فالأسري لا ينقلون خارج المعتقل الا وهم مربوطو الأيدي، وبالتالي فهم لا يستطيعون التلويح. وفي حال اصابتهم ينقلون الي المستشفي الميداني داخل دلتا وهو مجهز بكل المعدات الطبية وبصورة أفضل من بقية مستشفيات القاعدة البحرية.

وبدا ان الهدف من رواية خواريز كان لتأكيد وجود الأسري داخل دلتا بعدما أثرنا شكوكنا في وجودهم.
واذا أضفنا هذه الحادثة الي البرنامج المكتظ بها لا يفيد مهمتنا الصحافية ربما يصبح من باب الفطنة الشك بالكثير مما رأيناه. ولكن وتحسباً للمبالغة المتطرفة في الشكوك من الاسلم الاعتقاد بأن وحدة العلاقات العامة، أو حتي القوة المشتركة، ليست هي التي تدير العمليات الحقيقية داخل غوانتانامو في ما يختص باحتجاز الأسري. وبدا وكأن جهة ثانية غير معلنة مسؤولة بصورة مباشرة عن الاحتجاز، وتركت القوة المشتركة كواجهة للتعاطي مع الاعلاميين، خصوصاً ان اسئلتنا في أحيان كثيرة كانت تحول الي دائرة أخري ولا يجاب عليها الا في اليوم التالي.


إطبع الصفحة أرسل الى صديق عودة إبدي رأيك أغلق الصفحة عودة الى أعلى