القاعدة البحرية غير الشرعية
للولايات المتحدة في غوانتانمو

 

  

English Français Español
سياسة > كل شيء حول غوانتانمو > معلومات

 كاسترو قطع الماء والكهرباء عن القاعدة وتصارع عليها الاسبان والانكليز ... والجنود يعايشون العقارب والجرذان . غوانتانامو من ملاذ للقراصنة الأميركيين الي معتقل لـ القاعدة و طالبان

(الكاتب: منير الخطيب )
(ت.م: 16-06-2002 )
(ت.هـ: 05-04-1423 )
(جهة المصدر: )
(العدد: 14332 )
(الصفحة: 10 - تحقيقات )

أفضل أسوأ الأماكن في العالم . العبارة لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، قالها خلال كلمة ألقاها أمام جنود وضباط قاعدة غوانتانامو البحرية في كوبا، بعد تحولها معتقلاً لأسري تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وحركة طالبان الأفغانية.

الضباط وتأكيداً لصدق العبارة، نسخوها وعلّقوها في صدر قاعة الصحافيين في مبني المطار داخل القاعدة. ولم يقتصر الاحساس بسوء الموقع علي رامسفيلد، بل سبقه في ذلك مكتشف القارة الاميركية، الرحالة كريستوفر كولمبوس في 03 نيسان (ابريل) عام 4941، خلال زيارته الثانية الي أميركا، اذ رست سفينته في غوانتانامو وأمضي فيها يوماً واحداً سماها فيه بورتوغراند ورحل. وتكريماً للمكتشف يرتفع نصب فيه لوحة نحاسية أرخ عليها يوم الزيارة، قرب مرفأ عسكري أقيم علي ضفة القاعدة الشرقية.

وتقول احدي الروايات غير الموثقة ان كولمبوس وافراد مجموعته كانوا يبحثون عن الذهب، فلما وجدوا المنطقة نائية وطبيعتها صعبة، غادروها من دون عناء التنقيب.

القسم الشرقي

تمتد غوانتانامو علي مساحة 54 ميلاً مربعاً. ويبلغ طول حدودها مع كوبا سبعة عشر ميلاً ونصف الميل. وتنقسم قسمين غربي ويدعي لي وارد ويقع داخله المطار الصالح لاستخدام الطائرات العملاقة مدنية كانت أم عسكرية، ومطار آخر أصغر حجماً، ومبني الركاب وفيه قاعة للاعلاميين ودوائر عسكرية اخري. ويضم ايضاً سكناً للعسكر العازبين وفندقاً صغيراً اضافة الي متجر ومطعمين، احدهما يتحوّل حانة بعد الساعة الخامسة مساء.

وعلي مسافة نحو 005 متر من الفندق أقـيم شاطئ رتبت علي جنباته غرف تغيير الملابس وحمامات، وتتوسطه لافتة ضخمة كتب عليها ان المكان خال من أسماك القرش، اذ بني علي محيط الشاطيء مردات إسمنتية ضخمة تمنع الاسماك الكبيرة من الوصول الي داخلها. أما أراضي القاعدة فمليئة بالافاعي والعقارب، ومساء تشاهد جحافل من آلاف السلاطعين علي جانبي الطرقات، يموت عدد كبير منها دهساً. واضافة الي الزواحف المذكورة، تمتاز القاعدة بأنها محمية طبيعية، وغالباً ما تعبر أمامنا سحال من نوع غويانــا شكلها شبيه بالديناصور لكنها صغيرة الحجم. ونوع من الجرذان يدعي جــرذ الموز شكله محبب، ويقترب من شكل الأرنب. ويشتكي الجنود دائما من بقاياه الموزعة في كل مكان. أما الأشجار فتسكنها أنواع مختلفة من الطيور، الأبرز بينها طائر النسر الرومي ((Turkey Vulture.

القسم الغربي

القسم الغربي أطلق عليه اسم وينوارد ويمكن الوصول اليه براً لأن جانبي القسمين أراضٍ كوبية. وللانتقال الي وينوراد لا بد من استخدام اما المروحية أو العبارة، وتستغرق الرحلة فيها نحو 522 دقيقة، تبحر خلالها المياه الدولية. اذ ان اتفاق تأجير القاعدة دوّل الممر المائي ويسمح للسفن الكوبية بعبوره.

وتضم وينوارد غالبية منشآت غوانتانامو العسكرية وسكن الضباط والجنود وأسرهم ومدرستين ابتدائيتين. ومستشفي وعيادات متنوّعة، ومرافئ صيد وملعب غولف، اضافة الي مراكز رياضية مختلفة ومجمع تجاري ضخم وصالتي سينما في الهواء الطلق ومقر لقيادة الاركان ولقيادة القاعدة البحرية ولقوة العمليات المشتركة (جي تي اف -061) و(جي تي اف - 71) المخصصتين لدراسة اعضاء القاعدة والتحقيق معهم.

وفي القسم الغربي ايضاً متحف يستعرض تاريخ غوانتانامو وكنيستان ومنشآت اخري لها علاقة بدراسة المناخ والزلازل والأعاصير. ومازحني أحد العاملين في مركز المناخ بعدما علم أنني من الشرق الأوسط قائلاً: هل تعلم ان كل الأعاصير والعواصف تأتي الينا من الشرق . وتابع بجدية ان هذه حقيقة علمية في المحيط.

وغوانتانامو هي القاعدة العسكرية الأميركية الأقدم خارج أراضي الولايات المتحدة، والواقعة داخل أراضي دولة شيوعية. وتبعد نحو 007 كيلومتر عن سواحل فلوريدا. ومن الرموز التي يفخر الأميركيون بوجودها داخل القاعدة مطعم للوجبات السريعة لشركة ماكدونالدز .

ويبدو ان نشر سلسلة المطاعم المذكورة، اصبح هماً عسكرياً. فخلال تناولنا وجبة فيه نظر احد الضباط المرافقين من خفر السواحل الي السياج الفاصل مع كوبا حيث تعلو ابراج الحراسة وقال بحسرة: عندما تصبح حرة (يقصد كوبا) ستمتلئ بمطاعم مماثلة .

ويكتفي الأميركيون بأبراج مراقبة عند السياج، وتسيير دوريات علي مدار الساعات الأربع والعشرين. اما علي الجانب الكوبي منه، وبحسب ما قال الرائد لي رينولدز، توجد حقول ألغام.

حضور اسباني

اللغة الرسمية داخل القاعدة هي الانكليزية من دون شك، ولكن اللغة الطاغية هي الاسبانية. اذ يقطن عوانتانامو المئات من العمال الهايتيين والجمايكيين والقادمين من الدومينيكان نظراً لتدني أجورهم واستعدادهم للعمل في ظروف قاسية، ورفْض الاميركيين لقطع المسافات الطويلة للعمل في ظل القوانين العسكرية الصارمة. علي رغم بعض المغريات وأبرزها عدم خضوع القاعدة وسكانها لأي قوانين ضريبية كونها علي أرض أجنبية، واسعار المنتجات داخلها معفاة من كل الرسوم. وعلي سبيل المثال علبة السجائر فيها بأقل من دولارين في حين يبلغ ثمنها داخل الولايات المتحدة بين خمسة وستة دولارات. لذا تحرص ادارة الجمارك الأميركية علي تفتيش أمتعة القادمين من غوانتانامو تفتيشاً دقيقاً، في قاعدة ادواردز رود في بورتو ريكو، وفي قواعد فلوريدا. وعلي الاجانب القادمين من القاعدة، ولو كانوا في رفقة الجيش الأميركي، تعبئة بيانات دخول جديدة الي الأراضي الأميركية.

وتسكن القاعدة مجموعة من الكوبيين المنشقين الذين شكلوا ميليشيا مسلحة تسيّر دوريات بمشاركة الجنود الاميركيين علي الحدود مع كوبا.

الولايات المتحدة استأجرت قطعة الأرض هذه عام 4091 لاستخدامها كمرفأ لنقل الفحم الحجري وقاعدة بحرية، خصوصاً وان تضاريسها تجعلها أكبر مرفأ مغلق في البحر الكاريبي. وفي العام 4391 جدد الايجار، وحددت قيمته بألفي دولار ذهبية ما يعادل بأسعار اليوم نحو أربعة آلاف دولار. وتضمن العقد شرطاً يمنع أي طرف من فسخه بمفرده، من دون تحديد مدة للعقد. ما يعني ان الولايات المتحدة لن تنسحب الا اذا هي قررت ذلك بعد مطالبة كوبية. وكان للتجديد سبب قانوني اذا اكتشف الطرفان الكوبي والأميركي انهما فقدا صك الايجار القديم.

ويحلو للأميركيين والمقيمين في غوانتانامو تسميتها بجوهرة الانتيل، وهي مجموعة الجزر والدول حول البحر الكاريبي وبينها كوبا وجمايكا وهاييتي والسواحل الاميركية شمالاً. ويتميز الاميركيون عن غيرهم بطريقة لفظ اسم القاعدة، اذ يشددون علي لفظها كـ غوانتانامو (من دون الألف) في حين يلفظها الاسبان غونتانامو مشددين علي الألف الثالثة... التميز الأميركي لا يقف عند هذا الحد، ويصبح مزعجاً أحيانا، اذ يعمد العسكريون الي تعريف المواقع المدنية والعسكرية ومنها مقار السكن والمطاعم بأسماء مختصرة تتألف من حروفها الأولي. وبالتالي من الممكن سماع حديث طويل من دون ان نفهم منه شيئاً.

لمحة تاريخية

خلال القرن الثامن عشر حاولت القوات البريطانية احتلال غوانتانامو وخاضت معارك شرسة مع الاسبان. وفي نهاية القرن التاسع عشر شارك الاميركيون الثوار الكوبيين في حربهم ضد الاستعمار الفرنسي ونجحوا عام 8981 باحتلال القاعدة وعقدوا علاقات ممتازة مع قادة الثوار وفي طليعتهم خوسيه مارتي.

وكان من السهل علي واشنطن نتيجة التعاون هذا الفوز بعقد الايجار المغري. وتضمن العقد ايضاً بنداً تؤكد فيه الولايات المتحدة سعيها للحفاظ علي استقلال كوبا وحماية سكانها والدفاع عنها.

وعلقت الولايات المتحدة أهمية خاصة علي القاعدة البحرية قبل ان تكون اسطول الاطلسي ما يسمي الآن بالقيادة الجنوبية. اذ شكلت القاعدة بمرفئها المغلق علي مدي الاعوام الماضية ملاذاً لكبار القراصنة والمجرمين الاميركيين. ومن بين الاسماء الشهيرة في عالم الجريمة والتي وجدت ملاذاً في غوانتانامو ناووم و سورس و روسيلو و اسكونديدو . أما أشهر القراصنة علي الاطلاق فكان يدعي روزاريو وأصله من نيو اورليانز الاميركية.

وبقيت الامور بين الاميركيين والكوبيين جيدة الي عام 1691 عندما قطع الرئيس دوايت ايزنهاور العلاقات الديبلوماسية مع هافانا. وخلال هذه الفترة تدفق مئات الكوبيين الي غوانتانامو وشكلوا ميليشيات مسلحة لحراسة السور الشائك.

وفي العام التالي أجلي السكان المدنيون عن القاعدة في ضوء اعلان الرئيس جون كنيدي وجود صواريخ سوفياتية نووية داخل كوبا. وخلال هذه الازمة التي انتهت مع نهاية العام نفسه بسحب الصواريخ من مكانها تعرض العسكريون الاميركيون لأزمة تغذية. اذ ان انسحاب العائلات واستقدام وحدات اضافية من قوات مشاة البحرية (مارينز) تحسباً لحرب مع كوبا، رفع اعداد الجنود داخل القاعدة الي أكثر من 51 ألف عسكري، ولم تكن مطابخ الجيش مجهزة لخدمة هذا العدد، فاضطر المارينز الي اعداد اكثر من 0053 سندويش يومياً لسد النقص.

وتواصل تدهور العلاقات بين البلدين، وبعد عامين قرر فيديل كاسترو قطع امدادات الكهرباء والماء عن غوانتانامو، بعد اعتراض خفر السواحل الاميركي لصيادين كوبيين قرب سواحل فلوريدا. وهنا ايضاً اضطرت القوات الاميركية الي اجلاء المدنيين عن القاعدة. وتحسباً لأزمة مماثلة تمّ انشاء معمل كهرباء وتحلية يكفيان غوانتانامو ذاتياً.

سكان القاعدة

عدد السكان في القاعدة يختلف تبعاً للمهمات العسكرية، ولكنها تضم عادة ما بين ستة وثمانية آلاف عسكري وعائلاتهم اضافة الي نحو ألفين من العمال المدنيين. ولكن للقاعدة مهمة خدمة اسطول الاطلسي ولسفن القيادة الجنوبية. وبالتالي يصل عدد العسكريين علي السفن الراسية فيها الي أكثر من خمسة عشر الفاً.

وفي السنوات الاخيرة تراجع عدد سكان غوانتانامو بصورة ملحوظة لكن قدوم أسري القاعدة وعناصر قوات العمليات المشتركة عزز الوجود العسكري فيها الي نحو ستة آلاف شخص بحسب ما قال الرقيب اول وارن بيرد.

ايقاع الحياة في القاعدة بطيء جداً. ويغلق المطعم الليلي فيها ابوابه بحدود الساعة الحادية عشرة مساء. ومن الصعب تحديد أوقات لنشاطات السكان العسكريين فيها بسبب تضارب مواعيد نوبات الخدمة العسكرية. ومواعيد تنقل العــبارات بين طرفــي القاعدة التي تتوقف في الساعة الثامنة مساء.
ولا يحق للعسكريين جلب عائلاتهم الي غوانتانامو الا في حال وافقوا علي الخدمة داخلها لمدة تتجاوز السنتين. وعادة ما يتحول العسكري الذي يقطن فيها أكثر من ذلك الي نجم بين الجنود يتناقلون أخباره. فالقاعدة تعتبر أشبه بالمنفي للجيش الأميركي. فكوبا من الخلف والبحر من الامام، ولا مكان آخر. وللانتقال بالطائرات الي خارجها نظام معقد يقضي بخدمة أول الواصلين الي مبني المطار وعند امتلاء الطائرة يعود الباقون أدراجهم.

وعادة ما يبدأ الجنود بانتظار طائرة الثامنة صباحاً من منتصف الليلة السابقة. واحياناً كثيرة يكونون بصحبة عوائلهم وأطفالهم. لكن غالبية قوة العمليات المشتركة هم من عناصر الاحتياط الذين استدعاهم الرئيس الاميركي جورج بوش في اعقاب أحداث 11 ايلول (سبتمبر)، وتراوح فترة خدمتهم بين الستة اشهر والعام. لذا ليس بامكانهم الحضور مع عائلاتهم الي غوانتانامو.

وأعادت القوة المشتركة الحياة مجدداً الي القاعدة، وقام فوج الهندسة في الجيش الاميركي بمد أكثر من 63 ألف قدم من الأسلاك الهاتفية. وأعاد ترميم عدد من الابنية بسرعة قياسية. وتمّ تجهيز قاعة الاعلاميين بمعدات جديدة. ومنذ مطلع شهر كانون الثاني (يناير) الماضي بدأ الصحافيون بالتوافد الي غوانتانامو بمعدل أربعين صحافياً في الاسبوع لكن العدد انحسر اخيراً مع نقل الأسري الي معسكر دلتا وتشديد الاجراءات الأمنية.

عصر القاعدة البحرية الذهبي كان الحرب العالمية الثانية، حيث شهدت أساطيل الاطلسي حركة ملحوظة. ومع نهاية الحرب بانتصار الولايات المتحدة بدأ العمل علي تحسين أوضاع القاعدة. وانتظر سكانها الي العام 1591 ليبدأوا بتسمية الشوارع بعدما كان ذلك محظوراً لدواع عسكرية. وحملت طرقاتها وشوارعها اسماء ضباط خدموا فيها أو قتلوا خلال الحرب.

عاصمة اللاجئين في الكاريبي

وغابت غوانتانامو عن التداول الاعلامي بعد أزمتي الستينات مع كاسترو الي العام 1991، حيث استقبلت أكثر من 43 ألف لاجئ هاييتي. وفي العام 4991 أجلي الاميركيون المدنيون عن القاعدة بعد وصول عــدد اللاجئـين الي أكثر من 54 ألفاً. جاءت غالبيتهــم في قوارب خشبية قطعت اكثر من 04 ميلاً بحرياً لتصل الي غوانتانامو عبر انواء المحيط الاطلسي وأمواجه. ويحتفظ متحف القاعدة بمجموعة من القوارب المهترئة التي استخدمها اللاجئون. ولم يتجاوز طول احداها المتر ونصف المتر قال الضابط القيم علي المتحف ان عائلة من أربعة أشخاص كانوا بداخله.

وتسير قوات خفر السواحل المتمركزة في القاعدة والتابعة عسكرياً لقيادة غوانتانامو البحرية ويقودها الآن الكابتن روبرت بوين، دوريات بحرية تحسباً لتسلل قوارب جديدة. وللاشارة فان معتقل اكس راي استخدم للمرة الأولي عام 4991 لفرز اللاجئين الهايتيين.

وللقيادة الجنوبية في الجيش الاميركي مهمة محددة تتلخص في حماية السواحل الجنوبية والمساهمة في مكافحة تهريب المخدرات ومواجهة الاخطار الاقليمية مستقبلاً. وتعتبر القيادة الجنوبية غوانتانامـــو من المــراكــز المتقدمــة لمواجهــة اي حال من عدم الاستقرار جنوب القارة الاميركية.
بالقرب من معتقل اكس راي حيث احتجز أسري القاعدة و طالبان لنحو أربعة أشهر، مدرسة ابتدائية هي الاكبر في القاعدة، والي تلك بجوارها أقيم مخيم كشفي لفتيات يحضرن خصيصاً من الولايات المتحدة خلال فترة العطلة الصيفية.

أمام المدرسة والمخيم رفعت لافتتان كتبتا ببالونات حمر وزرق وبيض، ألوان العلم الأميركي، جاء فيهما: نحن نحب آباءنا الجنود .

وبالتأكيد فان اللافتتين ليستا موجهتين لأسري القاعدة . واحسست انهما ربما كانتا موجهتين للصحافيين... وربما لتبرير أي انتهاكات طالت المحتجزين... أو لتسجيل اعتزاز اضافي بالمهمة التي يقومون بها.

اجراءات أمنية غير عادية ترافق الصحافيين

من الطبيعي أن تكون الاجراءات الأمنية داخل قاعدة عسكرية مشددة، لكنها في غوانتانامو خرجت عن اطار المألوف الي حد المبالغة. ولم تكن بداية الرحلة الي القاعدة البحرية توحي بحجم الاجراءات المتخذة إذ تطلب الأمر تقديم طلب الي القيادة الجنوبية في الجيش الأميركي، بياناته كانت محدودة إذ اقتصرت علي المعلومات المتوافرة علي جواز السفر.

وجاءت الموافقة عبر البريد الالكتروني وحددت موعداً للوصول الي قاعدة ادواردز رود الجوية في بورتو ريكو، ومنها تتولي القيادة الجنوبية نقلنا الي غوانتانامو.

وصلنا الي ادواردز رود في الرابعة والنصف فجراً. عند المدخل الخارجي للقاعدة خضعنا لتفتيش دقيق، ثم نقلنا الي مكان قريب تضيئه بروجكتيرات عملاقة فردت تحتها الحقائب. طلب منا ضابط العلاقات العامة الذي يرافقنا ان نبتعد عن الحقائب. وجاءت مجموعة من المارينز (مشاة البحرية) مؤلفة من أربعة عناصر وضابط ومعهم كلاب مدربة علي التفتيش.

فتحت الحقائب واحدة تلو الأخري وجردت من جميع الأغراض والملابس ومعدات التصوير والتسجيل قطعة قطعة، وفتشت ثم مررت علي الكلاب، ثم عاد عناصر المارينز الي ترتيبها كما كانت. ثم طلب منا اقفال الحقائب تحت مراقبتهم ونقلها الي السيارة.

وخلال تفتيش حقيبة اليد، طلب الضابط تشغيل جهاز الكومبيوتر المحمول، ولم يكتف بهذا القدر بل طلب تشغيل أحد البرامج الموجودة علي سطح المكتب. وفك الهاتف الخلوي بعد تشغيله وتم فحص البطاريات، كذلك الأمر مع آلتي التصوير والتسجيل.

نقلنا في سيارة عسكرية من المدخل الي مبني المطار، حيث خضعنا مجدداً لتفتيش مماثل وان كان أقل حزماً.

الرحلة بالطائرة من بورتو ريكو الي غوانتانامو استغرقت أكثر من ساعة بقليل. داخل مطار القاعدة البحرية في كوبا خضعنا لتفتيش مماثل وأكثر دقة علي رغم ان الحقائب نقلت فقط من القاعدة الجوية الي القاعدة البحرية وتحت مراقبة لصيقة من الضباط الأميركيين.

وعند الدخول الي مبني المطار حيث يقع أيضاً المركز الإعلامي، وكنا للتو خضعنا للتفتيش عند المدخل الخارجي، مررت الحقائب علي آلات تصوير اشعاعي، بما فيها حقيبة اليد. وهنا طلب مني تشغيل الكومبيوتر مجدداً. وعند تشغيله طال صف المنتظرين خلفي، فتقدم ضابط مطالباً بإطفاء الجهاز لأنه مرر تحت أنف كلاب التفتيش فرد عليه أحد الجنود بأن الكلب الذي فتش الكومبيوتر ذكر وبالتالي فإن حاسة الشم لديه أقل من المطلوب وهو مضطر لاكمال الاجراء، فرضخ الضابط لأمر الجندي.

وخلال اللقاء مع قائد قوة العمليات المشتركة جي تي اف -061 البريغادير جنرال ريك باكوس داخل هنغار عسكري في وينوارد (الضفة الغربية من غوانتانامو) فوجئنا بعدد من الضباط والجنود يتجاوز العشرة داخل القاعة ولكنهم جلسوا في زاوية بعيدة. ولاحظ الضباط المرافقون استغرابنا حضورهم، فبادر الرائد جيمس بل الي القول أنهم، أي الجنود، يراقبون ما يجري خلال اللقاء لتسجيل ملاحظات ومعرفة دورهم مستقبلاً لأنهم سيتولّون بعد أسبوع مهمّة مرافقة الوفود الإعلامية وتصوير لقاءات الجنرال للاحتفاظ بها داخل أرشيف الجيش الأميركي . وختم بل مازحاً: أرجو ألا تظنوا ان هذا استعراض للقوّة

المعاناة مع التفتيش لم تنته هنا. إذ أن المركز الإعلامي كان نقطة التجمع اليومية قبل الانطلاق الي الجهة الثانية من القاعدة البحرية عبر عبّارات مائية. وكنا في كل مرة نضطر فيها لدخول المركز نخضع للتفتيش وتمرر آلات التصوير عبر جهاز التصوير الشعاعي، علي رغم مرافقة أربعة ضباط لنا بصورة دائمة وفي أي مكان نكون فيه داخل القاعدة العسكرية. وظننا ان الاجراءات ربما تتراخي مع تعود الحراس علينا لكن شيئاً من هذا لم يحصل.

وخلال الجولة علي معسكري أكس راي و دلتا تأكد الضباط المرافقين من ان حجم عدسات التصوير لم يتجاوز المئتي ملليمتر وان الكاميرا غير مجهزة بمضاعف تكبير للعدسات. وفي الجولة المقربة من معسكري الاعتقال بمحاذاة سوريهما نقلنا داخل سيارة نقل متوسطة الحجم (فان) ذات نوافذ قاتمة اللون لتحجب الرؤية من الخارج.

ولدي عودتنا الي قاعدة ادواردز رود في بورتو ريكو خضعنا لتفتيش مماثل وتم فصلنا عن بقية ركاب الطائرة ومررنا بصورة خاصة خارج صفوف الانتظار.

وعند خروجنا من مبني المطار، استقلينا سيارة أجرة طلبها لنا ضباط العلاقات العامة. وبعد انطلاق السيارة استوقفنا جندي، وطلب منا الانتظار لحظات فوصلت سيارتا جيب مغلقتان، نوافذهما سوداء ورافقتنا واحدة في المقدمة والثانية خلفنا الي بوابة خارج حدود القاعدة الجوية، تبعد نحو خمس دقائق عن مبني المطار، وأثارت هذه المرافقة استغراباً، إذ أكد سائق سيارة الأجرة المعتاد علي قوانين القاعدة العسكرية الصارمة، ان هذه هي المرة الأولي التي ترافقه فيها سيارتان عسكريتان.


إطبع الصفحة أرسل الى صديق عودة إبدي رأيك أغلق الصفحة عودة الى أعلى